في لحظة سياسية مشتعلة، يقف الرئيس ترامب في قلب المشهد الدولي، لا كصانع قرار تقليدي، بل كقائد يدير الصراع بعقلية مختلفة: فرض الإرادة بدل إدارتها، وكسر التوازنات بدل التكيف معها. فالحرب الجارية مع ايران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل تجسيد حي لفلسفة سياسية تقوم على الحسم لا الاحتواء.
ترامب لا يتحرك بمنطق التحالفات، بل بمنطق الصفقة القسرية. العالم بالنسبة له ساحة مفتوحة، لكن بشروط أمريكية خالصة تُفرض بالقوة لا بالتوافق. لذلك، فإن سياساته الحالية ، من التصعيد العسكري إلى الضغوط الاقتصادية،تعكس نهجًا واضحًا: إعادة تشكيل النظام الدولي بالقوة، لا عبر الشراكة.
غير أن هذا النهج يصطدم اليوم برفض دولي متصاعد، لا يقتصر على الخصوم، بل يمتد إلى الحلفاء أنفسهم. فالدول التي اعتادت العمل تحت المظلة الأمريكية لم تعد تنظر إلى واشنطن باعتبارها شريكًا يمكن التنبؤ بسلوكه، بل قوة متقلبة تفرض قراراتها دون حساب دقيق لتداعياتها.
في أوروبا، يتزايد القلق من الانجرار إلى صراعات لا تخدم المصالح المباشرة للقارة. أما القوى الكبرى مثل الصين وروسيا فتتعامل مع هذا النهج كفرصة استراتيجية، حيث يفتح كل تصدع في الجبهة الغربية مجالًا أوسع لإعادة توزيع النفوذ العالمي.
في الشرق الأوسط، تتغير قواعد اللعبة بسرعة. فالحرب على إيران لا تُقرأ فقط كصراع مباشر، بل كإشارة إلى مرحلة جديدة عنوانها الصدام المفتوح. ومع ذلك، فإن دول المنطقة لم تعد مستعدة للانخراط الكامل في هذا المسار، بل تتجه إلى موازنة علاقاتها، وتجنب كلفة الاصطفاف الحاد.
السؤال هنا لم يعد نظريًا: هل يستطيع ترامب فرض هذه المعادلة بالقوة، أم أن العالم بصدد إفشالها بهدوء؟
الواقع يشير إلى معادلة معقدة. فترامب يحقق مكاسب تكتيكية عبر الضغط والتصعيد، لكنه في المقابل يراكم تحديات استراتيجية قد تنفجر لاحقًا. فسياسة الحافة القصوى قد تُجبر الخصوم على التراجع مؤقتًا، لكنها تدفعهم في الوقت ذاته إلى البحث عن بدائل دائمة تُضعف النفوذ الأمريكي.
الأخطر من ذلك، أن الحلفاء أنفسهم بدأوا بإعادة حساباتهم. ومع كل خطوة أحادية، يتراجع منسوب الثقة، ويتسع هامش الاستقلال عن القرار الأمريكي، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تفكك تدريجي للنظام الذي قادته واشنطن لعقود.
في المحصلة، يقود ترامب اليوم معركة مزدوجة: ضد خصومه في الخارج، وضد توازنات دولية لم تعد تقبل أن تُدار بإرادة طرف واحد. وبينما يسعى لفرض واقع جديد بالقوة، قد يكون هذا المسار ذاته هو ما يدفعه، ويدفع الولايات المتحدة،لدفع ثمن استراتيجي أكبر.
لأن العالم لم يعد كما كان… ومن يحاول حكمه بالإملاء، قد يكتشف متأخرًا أن الآخرين قرروا أخيرًا كسر هذه القاعدة.

