ترامب وإيران والعالم

1

عبد المنعم سعيد – المصري اليوم

 

يقال إن الرئيس الأمريكي ترامب يؤمن بقول فيلسوف الحرب الصيني سن تزو (Sun Tzu) إنه لكي تنتصر وتخضع الخصم دون قتال يجب أن تكون مهاجماً، وترجمته في هذه الحالة هي التحكم في السماوات عن طريق الجو، ودفع إيران إلى الاستسلام غير المشروط عبر التخلي عن إمكانية امتلاك السلاح النووي. شيء من هذا حدث أثناء حرب الاثني عشر يوماً التي بدأت قبل موعدها بكثير، عندما نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في الاختراق الكامل للجبهة الداخلية الإيرانية، والتمهيد للحرب من خلال شبكة اغتيالات محورية للقيادات العسكرية وعلماء الطاقة النووية. وبعد ذلك جاءت الضربات المدمرة للمواقع النووية، حيث تجري عملية تخصيب اليورانيوم.

الحلم الأمريكي الذي ساد الظن أنه قابل للتحقيق تمثل في قيام ثورة شعبية على حكم الملالي ورجال الدين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي. ما حدث فعلياً أن الشعب الإيراني لم يكن يرغب في أداء دور المطية للحكم الأجنبي، لكنه استقر في الوقت ذاته على أن النظام الإيراني لم يعد قابلاً للبقاء، في ظل ما ذاع عن حالة الانكشاف التي تعيشها الدولة الإيرانية.

عدة عوامل لعبت دوراً في التغير باتجاه الثورة على الحكم القائم. أولها أن الحكم لم يكن مستعداً للاعتراف بالهزيمة والانكشاف الناتج عن الخروق داخل الدولة الإيرانية. وثانيها، وعلى العكس، ادعاء تحقيق انتصار في الحرب نتيجة وصول عدد من الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل. وثالثها أن النظام الإيراني، المستند إلى الحرس الثوري، شرع في سد فجوات الاختراقات الاستخبارية الإسرائيلية والأمريكية، ما أثار موجة من الرعب والتهديد للمواطنين بتهم الجاسوسية والعمالة، في محاكمات سريعة وصورية قادت إلى إعدام قرابة ألفي مواطن.

ورابع هذه العوامل أنه مع تأثيرات الحرب وتفاقم العقوبات الأمريكية والغربية، تردت الأوضاع الاقتصادية في إيران إلى درجة شجعت مواطنين من جيل زد على الخروج على السلطة الدينية والسياسية. وخامسها أن خامنئي، الذي تجاوزت سنه 86 عاماً وبقي في الحكم منذ 1989، ظل مصراً على تصوير ما جرى باعتباره نصراً، وعلى إبقاء الأوضاع الداخلية على حالها، في وقت انهارت فيه العملة الإيرانية، وعادت السلطة إلى مد الميليشيات العربية في العراق ولبنان وفلسطين بالسلاح والمال، ما تسبب في أزمة اقتصادية عنيفة.

كل هذه الأسباب أعادت إلى الأذهان ذكريات الثورة الإيرانية حين تصدر البازار مواكب الثورة ضد الشاه محمد رضا بهلوي. وهذه المرة أيضاً خرج البازار الساخط على انهيار العملة والأزمة الاقتصادية مطالباً بالتغيير، وتبعته طوائف كثيرة في مختلف المناطق الإيرانية. الجماهير التي كانت تخرج بهتاف الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، باتت تطالب بتغيير النظام والسلطة القائمة.

الحقيقة أن الثورة قامت هذه المرة على أكتاف تحركات جماهيرية كثيفة اختلفت مصادرها وتنوعت أهدافها. وظهرت خبرات متراكمة، مضافة إلى واقع الهزيمة، قادت إلى مواجهة شرسة من النظام، نتج عنها مقتل خمسة آلاف شخص، ادعت السلطة الإيرانية أن ذلك جاء نتيجة تدخلات استخباراتية إسرائيلية وأمريكية. وكان ترامب بالفعل جزءاً من تحفيز هذا الحراك، إذ حث الجماهير على الاستمرار بوعد المساعدة الأمريكية المقبلة، وبعد قطع الاتصالات مع السلطة الإيرانية طالب المحتجين بالبحث عن أسماء المعتدين عليهم تمهيداً لمحاكمتهم لاحقاً بتهمة القتل الجماعي.

ما بين العدوان الأمريكي قولاً أو فعلاً، والثورة الإيرانية التي لا تزال جذوتها قائمة، بات مستقبل إيران مفتوحاً على حزمة من السيناريوهات. وكان كريم سجاد بور، الباحث في مؤسسة كارنيجي الأمريكية، قد كتب مقالاً في دورية الشؤون الخارجية بعنوان خريف آيات الله، عرض فيه ستة سيناريوهات للمستقبل الإيراني.

أولها السيناريو الروسي، القائم على زوال الزخم الثوري الذي عاشه الاتحاد السوفيتي منذ 1917 حتى 1989، والدور الذي لعبه جورباتشوف في تليين العظام السوفيتية ووضع نهاية للثورة. وثانيها السيناريو الصيني، حيث تحافظ الدولة القائمة على تماسكها، لكنها تفتح أبوابها للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي، لتلتحق بركب الدول المتقدمة.

وثالثها السيناريو المعاكس، حيث يسود نموذج كوريا الشمالية، وتتجمد الحالة الثورية في دولة رعب جامدة، نشطة فقط في التسلح النووي تجاه الخارج، والقمع القاتل في الداخل. أما السيناريو الرابع فيتخذ صورة باكستانية، تلعب فيها المؤسسة العسكرية دور المنقذ من الفوضى، وهنا يكون الحرس الثوري الإيراني مرشحاً لإعادة الأمور إلى نصابها مع تقليص دور رجال الدين.

السيناريو الخامس يأخذ الشكل التركي، حيث تقود دولة إسلامية مساراً للتغيير والتقدم، على غرار التجربة التي يقودها رجب طيب أردوغان. أما السيناريو السادس، وهو الأسوأ، فيقوم على النموذج اليوغسلافي، حيث لا تنقسم الدولة إلى شيع سياسية فقط، بل إلى كيانات مستقلة، كما حدث في سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك وصربيا والجبل الأسود وكوسوفو. وإيران تضم أقاليم عرقية تجعل هذا السيناريو قائماً.

التعليقات معطلة.