تريد غزال؟ خذ أرنب… تريد أرنب؟ خذ أرنب

12

 

 

في السياسة، كما في الصيد، لا تُقاس النوايا بما يُقال، بل بما يعود به الصياد إلى المعسكر. وما جرى بين محمد شياع السوداني ونوري المالكي ليس تحالفا ولا تفاهما ولا حتى صفقة متكافئة، بل مشهد كلاسيكي لسياسي ظن أنه خرج لغزال، فعاد بأرنب… بل بأسوأ الاحتمالات: أرنبٍ لا يملك حتى حرية القفز.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن السوداني لم يدخل المعادلة رئيسًا لحكومة بقدر ما دخلها «حلًّا وسطًا» فرضته موازين القوى داخل الإطار التنسيقي. لم يكن اختيارًا وطنيًا ولا تسوية دولة، بل تنازلًا محسوبًا قدّمه المالكي ليحفظ موقعه، لا ليصنع تحولًا. وهنا تبدأ القصة: من يتنازل لمن؟ ومن يدفع الثمن فعلًا؟

المالكي لم يتنازل… بل أعاد التموضع الاعتقاد بأن المالكي قدّم تنازلًا استراتيجيًا لصالح السوداني هو قراءة ساذجة للمشهد. المالكي لم يخرج من السلطة؛ أعاد توزيعها. ترك الواجهة التنفيذية، واحتفظ بمفاتيح القرار، وبشبكة النفوذ داخل الدولة، وبقدرة التعطيل والتوجيه. تنازل عن «الكرسي» ليضمن استمرار «المنظومة».

أما السوداني، فدخل الحكم وهو محمّل بالتزامات أكثر من الصلاحيات، وبقيود أكثر من الأدوات. رئيس حكومة بلا كتلة، بلا ظهر سياسي مستقل، وبلا قدرة حقيقية على كسر إرث من سبقه. والنتيجة؟ حكومة تُدار بمنطق إدارة الوقت لا صناعة القرار.

تريد غزال؟ الغزال هنا هو الدولة: هيبة، قرار، إصلاح، استقلال نسبي عن مراكز النفوذ. هذا ما سُوّق به مشروع السوداني، وهذا ما انتظره الشارع المتعب من تدوير الوجوه. لكن ما تحقق فعليًا لا يشبه الغزال لا شكلًا ولا مضمونًا.

خذ أرنب الأرنب هو الهامش: تحسينات إدارية، مشاريع خدماتية بلا بنية سياسية تحميها، وهدوء مؤقت لا يمس جوهر الأزمة. أرنب سريع الهرب، يكفي أول صدام سياسي حقيقي ليختفي. لا إصلاح سياسي، لا محاسبة، لا تفكيك لمنظومة الفساد، ولا مساس بمراكز القوة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.

تريد أرنب؟ خذ أرنب حتى هذا الطموح المتواضع لم يكن مضمونًا. فالأرنب نفسه مقيّد بخيط، والخيط بيد من يعرف اللعبة أكثر. كل خطوة محسوبة، وكل ملف حساس مؤجل، وكل محاولة خروج عن النص تُواجَه بالتذكير: من جاء بك قادر على إعادتك إلى حيث كنت.

الخلاصة ما جرى ليس شراكة، بل تنازل أحادي الاتجاه. المالكي خرج رابحًا لأنه لم يخسر شيئًا جوهريًا، والسوداني خسر منذ البداية لحظة الاستقلال السياسي. والبلد، كالعادة، هو الخاسر الأكبر.

في العراق، المشكلة ليست في من يجلس على الكرسي، بل في من يملك القفص. ومن يظن أنه يستطيع الصيد بأدوات غيره، سيعود دائمًا بما يُسمح له به… لا بما يحتاجه الوطن.

التعليقات معطلة.