تفاصيل عملية اعتقال مادورو ومصيره.. وسر الصمت الدفاعي الفنزويلي

2

 

 

فريق راديو صوت العرب من أمريك

 

هزّت انفجارات عنيفة ومتتالية العاصمة الفنزويلية كراكاس فجر اليوم السبت بالتوقيت المحلي، وذلك في تطور ميداني غير مسبوق، تزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ عملية عسكرية أميركية واسعة داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جواً إلى خارج البلاد.

 

إعلان ترامب

 

وقال ترامب، في منشور على منصة “تروث سوشال”، إن الولايات المتحدة نفذت “عملية عسكرية واسعة النطاق” ضد فنزويلا، أسفرت عن القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون الأميركية، معلنًا عقد مؤتمر صحفي لاحق لكشف تفاصيل إضافية.

 

واستخدم ترامب لفظ “Flown” للإشارة إلى نقل مادورو وزوجته جواً إلى خارج فنزويلا، دون تحديد الوجهة النهائية، مكتفيًا بالإشارة إلى أن الإجراءات القانونية ستُستكمل لاحقًا.

 

وفي مقابلة هاتفية مقتضبة مع صحيفة نيويورك تايمز، وصف ترامب العملية بأنها “رائعة” و”مخطط لها بشكل جيد للغاية”، رافضًا الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان قد حصل على موافقة الكونغرس، ومؤجلاً الرد إلى مؤتمر صحفي مقرر في مارالاغو في وقت لاحق.

 

قوة دلتا والإنزال الخاطف

 

ونقل مراسل الجزيرة في واشنطن فادي منصور عن مصادر إعلامية أن قوة “دلتا” الأميركية الخاصة تولت تنفيذ عملية الاعتقال، مدعومة بطائرات “أوسبري” القادرة على الإقلاع العمودي، في هجوم وُصف بـ”الصاعق والمباغت”.

 

وأوضح أن العملية نُفذت تحت غطاء قصف دقيق وتشويش إلكتروني واسع، أدى إلى شلل كامل في منظومات الرادار والدفاع الجوي والاتصالات، ما سهّل وصول القوات الخاصة إلى مادورو في مخبئه خلال وقت قياسي. وأشار إلى أن العملية كانت مقررة قبل أيام، لكنها أُرجئت لأسباب مناخية.

 

انفجارات في كراكاس

 

وأفاد فريق شبكة CNN الموجود على الأرض بسماع دوي انفجارات قوية في مناطق متفرقة من العاصمة، فيما أكدت مراسلة الشبكة أوسماري هيرنانديز أن أحد الانفجارات كان عنيفًا إلى درجة اهتزاز نوافذ منزلها، في وقت تصاعدت فيه أعمدة الدخان فوق أحياء كراكاس.

 

وأظهرت لقطات تحققت منها CNN حريقًا هائلًا وانفجارات في مطار هيغيروتي، حيث شوهدت كرات نارية تتطاير في السماء، يُرجّح أنها ناجمة عن اشتعال نظام دفاع جوي. ويُعد هذا المطار ثاني مطار فنزويلي يتعرض للقصف صباح السبت.

 

كما أظهرت مقاطع مصورة تصاعد الدخان فوق كراكاس، وتحليق مروحيات ذات دوارات مزدوجة فوق العاصمة، وهو طراز لا يُعرف أن الجيش الفنزويلي يمتلكه، ما عزز فرضية المشاركة العسكرية الأميركية المباشرة.

 

رواية كولومبية

 

وفي وقت سابق، أفاد مراسل الجزيرة بأن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو نشر معلومات وصفها بالخطِرة، قال إنه حصل عليها من مجموعة على تطبيق “واتساب”، وحدد فيها مواقع داخل الأراضي الفنزويلية قال إنها تعرضت للقصف، مؤكدا -وفق منشوره- التحقق من هذه المعطيات.

 

وبحسب ما أورده بيترو، شملت الضربات ميناء في العاصمة كراكاس وعددا من الثكنات العسكرية، من بينها “كاتيا لامار” و”تيونا”، إضافة إلى استهداف قصر الشعب التشريعي، في مؤشر -إن صحت هذه المعلومات- على اتساع دائرة الأهداف لتطال مؤسسات سيادية.

 

كما أشار إلى تعرض مطار “إل هاتيلو” لهجوم، وتعطيل مطار كراكاس الخاص، إلى جانب قصف قاعدة “هيغيروتي” الخاصة بالمروحيات، واستهداف قاعدة تضم طائرة أو طائرتين من طراز “إف-16″، وهي من القدرات الجوية المحدودة التي تمتلكها فنزويلا وفق ما هو معلن.

 

وأكد مراسل الجزيرة أن هذه المعلومات، رغم صدورها عن رئيس دولة مجاورة، لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن، مشددا على أن طبيعة الأهداف المذكورة -إن ثبتت- تضع الهجمات في إطار تصعيدي مختلف.

 

سيناريو بنما

 

ميدانيا، رُصد منذ الدقائق الأولى للهجوم تحليق مكثف لسرب من المروحيات العسكرية الضخمة فوق العاصمة كراكاس، في مشهد بدا واضحا أنه لطائرات أميركية، كانت تحلق على ارتفاع منخفض من دون أي تعامل من الدفاعات الجوية الفنزويلية معها.

 

وخلال الضربات الجوية التي استهدفت مواقع متفرقة في فنزويلا، شوهدت المروحيات وهي تخترق المجال الجوي للعاصمة، ما أعاد إلى الأذهان سيناريو التدخل الأميركي في بنما عام 1989، حين شنت واشنطن هجوما عسكريا انتهى باعتقال الرئيس البنمي آنذاك مانويل نورييغا بعد معارك استمرت 13 يوما.

 

غير أن التطورات الحالية، إذا ما تأكدت الرواية الأميركية، تشير إلى تكرار سيناريو مشابه في فنزويلا، ولكن بوتيرة أسرع، إذ نُفذت العملية خلال ليلة واحدة، بحسب ما أعلنه الرئيس الأميركي.

 

لغز الصمت الدفاعي

 

هذه السهولة في الاختراق أثارت شكوكاً، إذ رجح الباحث السياسي بول دوبسون للجزيرة من كراكاس فرضية “التواطؤ الداخلي”، مستدلا بتحليق الطائرات الأميركية “بارتياح” فوق العاصمة دون اعتراض من الدفاعات الجوية.

 

ونبّه دوبسون إلى غياب رد فعل منظومات متطورة مثل “إس-300″، معتبراً أن إنجاز الاعتقال في “نصف ساعة” يعزز الشكوك بوجود خيانة من داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس أو المؤسسة العسكرية.

 

كما أشار الباحث إلى أن القصر الرئاسي لم يتعرض لهجوم مباشر، ما يشي بوجود “ترتيب مسبق” أو استسلام فوري للعناصر المكلفة بالحماية، مؤكداً أن نجاح العملية بهذه السرعة يتطلب مساعدة داخلية.

 

طوارئ وانتشار أمني

 

في المقابل، شهد المشهد الداخلي الفنزويلي تطورا لافتا مع ظهور وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، الذي يشغل أيضا منصب نائب الرئيس لشؤون الدفاع، في خطاب عبر الهاتف، أكد فيه أن البلاد تعرضت لما وصفه بـ”أكبر هجوم وعدوان رسمي من الولايات المتحدة”.

 

وشدد بادرينو على أن “الشعب متماسك وسنقاوم هذا العدوان”، في إشارة إلى أن القيادة العسكرية لا تزال فاعلة داخل البلاد، رغم الضربات التي استهدفت مواقع حساسة في العاصمة.

 

وأعلنت الحكومة الفنزويلية أن مادورو وقّع إعلان حالة الطوارئ وأمر بتنفيذ خطط الدفاع الوطني، فيما أفادت شهادات من داخل فنزويلا بانتشار واسع لقوات مشتركة من الجيش والشرطة والقوات الشعبية في شوارع العاصمة، في محاولة للسيطرة على الوضع الأمني. كما أظهرت صور تواجدا عسكريا مكثفا وإغلاقا كاملا لمحيط القصر الرئاسي في منطقة ميرافلوريس.

 

مصير مادورو

 

عقب الإعلان الأمريكي عن اعتقاله هو وزوجته تحوّل مصير الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى الحدث الأبرز على الساحة الدولية.

 

وبحسب تحليل لقناة الجزيرة، لم يُعلن ترامب صراحة نقل مادورو إلى الأراضي الأميركية، إلا أن التقديرات تشير إلى أن عملية الترحيل جرت على مراحل، بدءًا من نقله إلى نقطة أميركية متقدمة في منطقة الكاريبي، أو إلى سفن حربية أميركية منتشرة في المنطقة، تمهيدًا لنقله لاحقًا إلى الولايات المتحدة.

 

ويعزز هذا السيناريو رصد تحركات عسكرية أميركية مكثفة في الكاريبي خلال الأيام الماضية، شملت إدخال عتاد إضافي وتحليق طائرات ومروحيات أميركية على ارتفاعات منخفضة أثناء تنفيذ العملية.

 

ويفهم من خطاب ترامب أن الإدارة الأميركية تسعى إلى تقديم العملية بوصفها نجاحا عسكريا من جهة، وتطبيقا لإجراءات إنفاذ القانون من جهة أخرى، في ظل وجود مذكرة توقيف صادرة عن محكمة في نيويورك بحق مادورو، تتعلق باتهامات مرتبطة بتهريب المخدرات.

 

وبحسب ما أعلنه السيناتور الجمهوري مايك لي، ممثل ولاية يوتاه، فإنه أجرى اتصالًا مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أبلغه بأن القوات الأمريكية اعتقلت مادورو تمهيدًا لمحاكمته جنائيًا داخل الولايات المتحدة.

 

وأوضح السيناتور في منشور على منصة “إكس” أن العملية العسكرية نُفذت بهدف حماية وتأمين القوة المنفذة لأمر الاعتقال، معتبرًا أن الإجراء يندرج ضمن صلاحيات الرئيس الأمريكي بموجب المادة الثانية من الدستور لحماية المواطنين الأمريكيين من تهديدات وشيكة.

 

مواقف دولية

 

دوليًا، أدانت وزارة الخارجية الروسية ما وصفته بـ“العمل العدواني المسلح” الذي شنته الولايات المتحدة ضد فنزويلا، معتبرة أي مبررات تُقدم لتبرير هذه العملية “غير مقبولة”.

 

وأكدت موسكو تضامنها مع الشعب الفنزويلي، داعية إلى منع المزيد من التصعيد والتركيز على حل الأزمة عبر الحوار، مع التشديد على حق فنزويلا في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي.

 

كما دعا الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الأمم المتحدة إلى الاجتماع الفوري، مؤكدًا أن “كاراكاس تتعرض للقصف”، ومحذرًا من تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي.

 

وفي السياق نفسه، أعلنت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية حظر تحليق الطائرات الأميركية داخل المجال الجوي الفنزويلي على جميع الارتفاعات، بسبب “مخاطر تهدد سلامة الطيران نتيجة النشاط العسكري الجاري”.

 

مشهد متوتر

 

وبينما تحتفي واشنطن بما تصفه بنجاح عسكري وقانوني، لا تزال الصورة داخل فنزويلا ضبابية، مع بقاء هيكل السلطة التنفيذية قائماً، ووجود أكثر من نائب للرئيس، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تصعيد عسكري أوسع، أو مواجهة داخلية، أو تدخل دولي سياسي لاحتواء الأزمة.

 

وفي كل الأحوال، يبدو أن اعتقال مادورو – إن تأكدت روايته بالكامل – يمثل لحظة مفصلية في تاريخ فنزويلا والمنطقة، وقد يعيد رسم قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وخصومها في أميركا اللاتينية لعقود مقبلة.

التعليقات معطلة.