لم تكن غزة، في أي مرحلة من تاريخ الصراع، مجرد رقعة جغرافية محاصرة، بل كانت اختزالًا مكثفًا لجوهر القضية الفلسطينية: شعبٌ يُدافع عن حقه في الأرض والكرامة، ومشروعٌ سياسيّ يتعثر كلما جرى الالتفاف على العدالة. واليوم، تعود أطروحات التهجير لتُقدم—بوقاحة سياسية—كحلّ عمليّ لأزمة إنسانية، فيما هي في حقيقتها وصفة لتجذير الصراع وتعقيده، لا لإنهائه.
التهجير: من “حلّ إنساني” إلى جريمة سياسية
تسويق التهجير بوصفه مخرجًا إنسانيًا يتجاهل حقيقة مركزية: أن اقتلاع السكان من أرضهم لا يُنهي النزاع بل ينقله إلى جغرافيا أخرى، ويحوّله من أزمة حدود إلى أزمة هوية وحقّ تاريخي. فالتهجير ليس إجراءً مؤقتًا؛ إنه تأسيس لظلم دائم، يُحوّل اللاجئ إلى حالة مزمنة، ويُغلق باب العودة عمليًا، مهما رُفعت من شعارات.
دروس التاريخ: الترحيل لا يصنع سلامًا
من نكبة 1948 إلى نكسة 1967، أثبت التاريخ أن الترحيل القسري لم يُسقط المطالبة بالحق، بل راكمها وأعاد إنتاجها بأشكال أكثر صلابة. كل موجة تهجير خلّفت جيلًا أكثر تمسكًا بالرواية، وأكثر وعيًا بأن العدالة المؤجلة لا تموت. وغزة اليوم، بما تمثله من كثافة سكانية وذاكرة جمعية مقاومة، لن تكون استثناءً.
أمن بلا عدالة؟ وهم استراتيجي
الرهان على التهجير لتحقيق “أمن” مؤقت هو رهان قصير النظر. فالأمن الذي لا يستند إلى العدالة يتحول إلى هشاشة مزمنة. نقل السكان لا ينزع أسباب الغضب، ولا يُفكك جذور الصراع، بل يُوسّع دائرته ويُعيد تعريفه إقليميًا، مع ما يحمله ذلك من ارتدادات سياسية وأمنية على الجوار.
القانون الدولي: اختبار المصداقية
التهجير القسري جريمة وفق القانون الدولي الإنساني. القبول به—صراحة أو مواربة—يُقوّض ما تبقى من مصداقية النظام الدولي، ويُكرّس منطق الإفلات من العقاب. إن تحويل المعاناة إلى “حلّ” يُعفي المحتل من مسؤولياته، ويُنزل كلفة الأزمة على الضحية، هو انقلاب أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا.
الحل العادل: معالجة الجذور لا الأعراض
لا مخرج عادلًا من مأساة غزة دون وقف فوري لإطلاق النار، ورفع الحصار، وضمان حماية المدنيين، وإطلاق مسار سياسي جاد يستند إلى الشرعية الدولية وحق تقرير المصير. الحلول الترقيعية—وفي مقدمتها التهجير—تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وتُراكم أسباب الصدام بدل تفكيكها.
خاتمة
تهجير الفلسطينيين من غزة لن يُطفئ نار الصراع، بل سيصبّ عليها وقودا جديدًا. فالعدالة ليست عبئا على السلام، بل شرطه الأول. وأي مشروع يتجاوز الإنسان وحقه في أرضه وكرامته، قد ينجح في تغيير الخريطة مؤقتًا، لكنه سيفشل حتما في تغيير الحقيقة. الحقيقة التي تقول: لا سلام بلا عدالة، ولا حلّ بلا اعتراف بالحقوق.

