ظهور شاب أفغاني في تكساس يهدد بتنفيذ هجمات والحركة و”جيشها فيسبوكي” يسعيان إلى التأثير في وعي المهاجرين بالغرب
اندبندنت فارسية
حركة “طالبان” زجت بالمراهقين والشباب في العمليات الانتحارية (رويترز)
ملخص
منذ نحو نصف قرن تعيش أفغانستان تحت وطأة التطرف الديني، وهو وضع ساعد في جعل بعض المواطنين ينظرون إلى هذه الحياة باعتبارها بلا قيمة، ويعدون الوصول إلى نعيم الجنة الهدف الأسمى، إذ رسخ رجال الدين المتشددون في أفغانستان وباكستان هذه الرؤية على مدى عقود، وهي الرؤية التي مكنت حركة “طالبان” من تجنيد المراهقين والشباب والزج بهم في العمليات المسلحة والتفجيرية والانتحارية، واليوم، ومع إحكام “طالبان” سيطرتها على أفغانستان تعمل الحركة على توسيع قاعدة المتأثرين بأيديولوجيتها المتشددة، وهو مسار يحمل تداعيات مقلقة لمستقبل المجتمع الأفغاني وللجاليات الأفغانية في الخارج.
انتشار مقطع مصور يتضمن تهديداً من مهاجر أفغاني في تكساس، وتزامنه مع حادثة إطلاق النار المميت التي نفذها رحمان الله لكنوال، المهاجر الأفغاني في واشنطن، أثارا موجة واسعة من القلق بين الجالية الأفغانية المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه حركة “طالبان”، عبر جهازها الدعائي الواسع، إعادة إنتاج خطاب الحرب والانتحار والجهاد، ليس داخل أفغانستان فحسب، بل أيضاً في أوساط المهاجرين الأفغان حول العالم.
ويظهر في المقطع مهاجر أفغاني في منطقة فورت وورث بمدينة دالاس بولاية تكساس، جالساً داخل سيارة، وهو يهدد بتنفيذ هجمات انتحارية ويؤكد أنه لا يخشى شيئاً، حتى الترحيل من أميركا، ويشير بعض من شاهدوا الفيديو إلى أن الرجل لم يكن في حال طبيعية على الأرجح أثناء تسجيله، وتمتلك الولايات المتحدة قدرات واسعة ومتقدمة في مجال التعقب والرصد والكشف عن الأخطار الأمنية، وتتعامل بجدية مع أي تهديد، ولو كان لفظياً.
وقد بات استخدام لغة الانتحار والترهيب، منذ عودة “طالبان” إلى السلطة، أكثر انتشاراً في أوساط الحركة وبعض أنصارها، وهذه التهديدات والعروض التي شكلت جزءاً من الدعاية الرسمية وغير الرسمية لـ”طالبان” طوال أعوام بدأت تظهر أيضاً لدى بعض الأفراد المتأثرين بخطابها، وأثار الانتشار الواسع لهذا الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي قلقاً عميقاً بين المهاجرين الأفغان في الولايات المتحدة، الذين يخشون أن ينعكس مثل هذا السلوك سلباً على وضع مجتمعهم بعد عقود من الحرب والضغوط الأمنية.
يأتي انتشار هذا الفيديو في وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف البت في ملفات اللجوء على خلفية حادثة إطلاق النار الأخيرة في واشنطن العاصمة، ويتهم رحمان الله لكنوال بإطلاق النار، الأربعاء الماضي على اثنين من عناصر الحرس الوطني الأميركي، مما أدى إلى مقتل أحدهما. وفي تعليقه على الحادثة، قال الرئيس ترمب إنه سيوقف الهجرة من دول العالم الثالث إلى الولايات المتحدة الأميركية بصورة دائمة.
وتزامناً مع هذه التطورات تداول مستخدمون على شبكات التواصل الاجتماعي فيديو آخر مسجلاً في أفغانستان، يظهر فيه عنصر من “طالبان” يرتدي زياً عسكرياً أسود ويغطي وجهه بالكامل بقناع وكوفية سوداء، ويظهر المقطع هذا العنصر وهو يعانق وزير دفاع “طالبان”، الملا يعقوب مجاهد، ثم يقبل جبينه. وغالباً ما يستخدم هذا النوع من تغطية الوجه في صفوف المقاتلين الانتحاريين، ومنذ عودة “طالبان” إلى السلطة عاد معها الترويج للعنف والهجمات التفجيرية والانتحارية، إلى جانب خطاب الجهاد ضد الغرب، ليظهر مجدداً في الخطب والفعاليات والتجمعات والفضاءات الرسمية وغير الرسمية التابعة للحركة.
وتعمل “طالبان” وأنصارها، عبر منابر المساجد، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، والحضور المنظم في وسائل التواصل الاجتماعي، على تقديم حربهم الممتدة لـ20 عاماً ضد الحكومة السابقة وحلفائها الغربيين باعتبارها جهاداً، فيما يصفون خصومهم بالكفار. هذا النوع من السردية أسهم في تغيير قناعات جزء من المواطنين، ومهد لارتفاع معدلات التطرف والعنف داخل أفغانستان.
خلال فترة نظام الجمهوریة كانت الهجمات الانتحارية والتفجيرية التي تنفذها حركة “طالبان” تقابل بردود فعل حادة وإدانات واسعة من قبل المواطنين، وكانت كل حادثة تتبعها موجة من الاحتجاج والغضب الشعبي ضد هذه الأعمال، غير أن “طالبان” خلال الأعوام الأربعة الماضية أعادت تعريف حربها ضد الحكومة السابقة وحلفائها الغربيين بمفاهيم مثل مقاومة الاحتلال الأميركي، والجهاد، وإنهاء احتلال البلاد، وهي سردية دعائية أسهمت في تأثر جزء من المواطنين الأفغان بها. وعلى رغم أن قطاعات واسعة من الشعب لا تزال تدين التفجيرات والعمليات الانتحارية واستخدام الانتحاريين، فإن أجواء القمع والخنق التي فرضتها “طالبان” تمنع أي صوت معارض من الظهور.
وتعد نسبة كبيرة من سكان أفغانستان من المتدينين الذين يواظبون على حضور خطب الجمعة، وقد استغلت “طالبان” هذا المنبر لإقحام اسم الملا هبة الله آخوند زادة بوصفه أمير المؤمنين في خطب المساجد. وتنفذ الهجمات المسلحة والتفجيرية والانتحارية وعمليات الاختطاف بأوامر من زعيم الحركة، فيما تتواصل عملية تبييض صورة “طالبان” وتطبيع ممارساتها من خلال هذه الخطب، وتنشر أجزاء من هذه المحاضرات على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تلقى تفاعلاً من عناصر “طالبان” ومؤيديهم، مما يسهم في التأثير في قناعات المجتمع وترسيخ هذه الروايات.
على مدى الأعوام الأربعة الماضية عملت “طالبان” على تنظيم قوة واسعة في الفضاء الرقمي تعرف باسم “الجيش فيسبوكي”، مستخدمة مجندين يتولون دفع دعايتها الأيديولوجية، وتتولى هذه الشبكة إنتاج المحتوى وإعادة نشره وتوجيهه عبر منصات مثل “إكس” و”تيك توك” و”يوتيوب”، بهدف نشر رواية “طالبان” على نطاق واسع.
اقرأ المزيد
الخارجية الأميركية توقف إصدار تأشيرات الأفغان فعليا
أفغان عن وقف أميركا للتأشيرات: إغلاق آخر سبيل إلى بر الأمان
مطلق النار على الحرس الوطني عمل مع الجيش الأميركي في أفغانستان
وعلى رغم القيود التي فرضتها شركة “ميتا” (فيسبوك وإنستغرام وواتساب) على نشاط حركة “طالبان”، فإن الحركة وأنصارها يعرفون جيداً كيف يتجاوزون كثيراً من هذه القيود عبر تغيير المفردات وبنية المحتوى، كذلك فإن غياب القيود الجدية في منصات مثل “إكس” و”يوتيوب” و”تيك توك” أتاح لـ”طالبان” مساحة أوسع للتحرك والنشاط الدعائي.
وتسعى “طالبان” و”جيشها فيسبوكي” إلى التأثير في وعي المهاجرين الأفغان في الغرب، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، فكثير من المهاجرين، بحكم اتصالهم الدائم بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، يجدون أنفسهم عرضة لمحتوى دعائي مكثف، تسعى من خلاله “طالبان” إلى استمالة فئة منهم نحو أيديولوجيتها.
ومنذ نحو نصف قرن تعيش أفغانستان تحت وطأة التطرف الديني، وهو وضع ساعد في جعل بعض المواطنين ينظرون إلى هذه الحياة باعتبارها بلا قيمة، ويعدون الوصول إلى نعيم الجنة الهدف الأسمى، إذ رسخ رجال الدين المتشددون في أفغانستان وباكستان هذه الرؤية على مدى عقود، وهي الرؤية التي مكنت حركة “طالبان” من تجنيد المراهقين والشباب والزج بهم في العمليات المسلحة والتفجيرية والانتحارية. واليوم ومع إحكام “طالبان” سيطرتها على أفغانستان تعمل الحركة على توسيع قاعدة المتأثرين بأيديولوجيتها المتشددة، وهو مسار يحمل تداعيات مقلقة لمستقبل المجتمع الأفغاني وللجاليات الأفغانية في الخارج.
وعلى رغم هذا المد الدعائي تبدو الحاجة ماسة داخل المجتمعات الأفغانية المهاجرة في الغرب إلى تعزيز الوعي بخطر التطرف والعنف، إذ إن تجاهل هذه الظاهرة قد يخلف عواقب بالغة الخطورة.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”

