ارتفاع أسعار الطاقة يعيد تشكيل الرأي العام الاقتصادي للناخبين والمزاج الشعبي عند أدنى مستوي منذ يناير الماضي
محمود الجمل صحافي
يتوقع المستهلكون ارتفاع الأسعار بمعدل سنوي قدره 3.4 % خلال العام المقبل (اندبندنت عربية)
ملخص
بطبيعة الحال، المواطن الأميركي لا يستطيع إيقاف حرب بصورة مباشرة، لأن قرار الحرب أو العمليات العسكرية الخارجية يُتخذ داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالتنسيق مع الكونغرس، لكن عملياً يمكن للرأي العام أن يؤثر بقوة في هذا القرار عبر عدة قنوات سياسية واقتصادية.
تدهورت رؤية الأميركيين لوضعهم المالي الشخصي ولآفاق الاقتصاد بصورة عامة، نتيجة القلق من حدوث تشديد إضافي في أسواق الطاقة العالمية قد يدفع معدلات التضخم الإجمالية نحو مستويات غير مستدامة.
وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الأميركي مع تراجع ثقة المستهلكين إلى مستويات لافتة.
ويأتي هذا الانخفاض في وقت يشهد السوق تقلبات مرتبطة بالحرب والتضخم، مما يعزز المخاوف من انعكاسات مباشرة على الإنفاق والنمو.
وبما أن الإنفاق الاستهلاكي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، فإن أي اهتزاز في معنويات الأسر يكتسب بعداً سياسياً واضحاً، وقد يؤثر في توجهات صناع القرار في شأن السياسات النقدية أو حتى التحركات الخارجية، ويرى محللون أن العلاقة بين ثقة المواطن والقرار السياسي أصبحت أكثر ترابطاً في ظل الأزمات المتلاحقة.
إلى ذلك، انخفضت ثقة المستهلك الأميركي إلى أدنى مستوى لها في ثلاثة أشهر، متأثرة بالمخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب مع إيران على أسعار البنزين وتكاليف المعيشة المرتفعة.
وسجل مؤشر معنويات المستهلكين الأولي لشهر مارس (آذار) الجاري تراجعاً ليصل إلى 55.5 نقطة، وفقاً لبيانات جامعة ميشيغان، حيث محت المخاوف الناتجة عن الغارات الجوية على إيران المكاسب الأولية التي تحققت في بداية الشهر، وفق “بلومبيرغ”.
ضغوط إضافية على الأسر الأميركية
ويتوقع المستهلكون ارتفاع الأسعار بمعدل سنوي قدره 3.4 في المئة خلال العام المقبل، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على الأسر الأميركية التي تعاني بالفعل ضغوطاً تضخمية مستمرة وهشاشة في سوق العمل.
وتُهدد حالة عدم اليقين في شأن توقعات التضخم بتقييد فرص خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في الأشهر المقبلة، خصوصاً مع بقاء توقعات الكلفة طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة تبلغ 3.2 في المئة.
وأظهرت البيانات الصادرة أول من أمس الجمعة، ارتفاع المقياس المفضل لدى “الفيدرالي” للتضخم الأساس بنسبة 0.4 في المئة حتى قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، مما يعزز التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة ثابتة في الاجتماع المقبل.
وأكدت مديرة الاستطلاع جون هسو، أن الأيام التسعة التي أعقبت العمل العسكري في إيران شهدت تدهوراً حاداً في المزاج العام، حيث قفزت توقعات أسعار الغاز للعام المقبل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022.
وارتفع مؤشر الظروف الحالية إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر ليصل إلى 57.8 في المئة، إلا أن هذا الارتفاع لم يمنع انزلاق مؤشر التوقعات المستقبلية إلى أدنى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
لذلك، يراقب المحللون مدى تأثير استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في معنويات المستهلكين، في ظل تحذيرات من أن أي تصعيد جديد سيوفر مزيداً من الضغوط التصاعدية على أسعار الطاقة العالمية والقدرة الشرائية للأفراد.
ثقة المستهلك أحد أهم المؤشرات التي تراقبها الإدارات الأميركية
في ضوء هذه البيانات، فإن ثقة المواطن الأميركي ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل تُعد عاملاً مؤثراً في صياغة القرار السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة، خصوصاً عندما تتراجع بصورة ملحوظة في ظل أزمات خارجية مثل الحرب وارتفاع أسعار الطاقة.
أولاً، تُشكل ثقة المستهلك أحد أهم المؤشرات التي تراقبها الإدارات الأميركية وصانعو السياسات، لأنها تعكس المزاج الاقتصادي العام للأسر، فعندما ينخفض مؤشر معنويات المستهلكين إلى مستويات متدنية مثل 55.5 نقطة، فإن ذلك يشير إلى تزايد القلق لدى الأميركيين بشأن قدرتهم الشرائية ومستقبل الاقتصاد.
هذا النوع من التراجع غالباً ما يضغط على الإدارة السياسية، لأن الاستهلاك يمثل ما يقارب ثلثي النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، وأي تراجع في ثقة المستهلك قد يترجم سريعاً إلى تباطؤ اقتصادي.
ثانياً، يتداخل هذا المؤشر مع السياسة النقدية، فارتفاع توقعات التضخم إلى 3.4 في المئة يضع ضغوطاً على “الفيدرالي”، إذ قد يضطر إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد وعلى شعبية الإدارة الحاكمة.
لذلك فإن تدهور الثقة الاستهلاكية يمكن أن يقيد هامش المناورة لدى صناع القرار الاقتصادي، ويجعل أي قرار بشأن الفائدة أو التحفيز المالي أكثر حساسية سياسياً.

