جنيف… حين تتحول المدينة إلى ميزان الحرب والسلام

5

 

 

ليست جنيف مدينةً أوروبية هادئة فحسب، بل مساحةً رمزية تتكثف فيها لحظات العالم الفاصلة. على ضفاف بحيرة ليمان، تتجاور الدبلوماسية مع القلق، والحياد مع أعنف الملفات. وحين يُقال إن أزمةً ما “انتقلت إلى جنيف”، فذلك يعني غالبًا أن الأطراف بلغت مرحلة اختبار الإرادات، حيث لا يعود التصعيد الإعلامي كافيًا، ولا التهديد وحده حاسمًا.

ارتبط اسم جنيف مبكرًا بفكرة تقييد العنف لا إطلاقه. فـ“اتفاقيات جنيف” لعام 1949 أرست الأساس الأهم للقانون الدولي الإنساني، محدِّدةً قواعد حماية المدنيين وأسرى الحرب. وجود اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومكاتب الأمم المتحدة، رسّخ صورة المدينة كأرضٍ آمنة للخصوم، ومكانٍ يمكن أن تسبق فيه الكلمةُ الرصاصة.

غير أن جنيف لم تكن دائمًا مرادفًا للانفراج. فهي في أحيان كثيرة محطة ما قبل الحسم، سواء كان سلامًا أو حربًا. عام 1985، جلس رونالد ريغان قبالة ميخائيل غورباتشوف في قمةٍ بدت آنذاك مجرد لقاء بروتوكولي، لكنها فتحت الباب لمسار خفض التوتر النووي في أواخر الحرب الباردة. لم تُنهِ القمة الصراع فورًا، لكنها دشّنت مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي، قوامها إدراك حدود القوة.

في المقابل، يحمل أرشيف المدينة صفحة أكثر قتامة. ففي يناير 1991، التقى جيمس بيكر مع طارق عزيز. كان الاجتماع محاولة أخيرة قبل اندلاع حرب الخليج. الكلمات قيلت، والتحذيرات أُطلقت، لكن القرار كان أقرب إلى أن يكون قد اتُّخذ. تحوّل اللقاء إلى محطة بروتوكولية سبقت العاصفة، لا إلى جسر نجاة.

ثم عادت المدينة إلى واجهة الملف النووي الإيراني. في عام 2013، استضافت جولات تفاوضية مهّدت للاتفاق المعروف بـخطة العمل الشاملة المشتركة، الذي وُقّع لاحقًا في فيينا. أثبتت التجربة أن التفاهم ممكن، لكنه هشّ، وأن الاتفاقات إن لم تُحمَ بتوازن مصالح طويل الأمد، قد تتحول إلى هدنة مؤقتة.

ومع ذلك، جنيف ليست صانعة معجزات. إنها مرآة تعكس ما يحمله الداخلون إلى قاعاتها: إن جاؤوا بتفويض للتنازل، خرجوا باتفاق؛ وإن جاؤوا لتثبيت المواقف، خرجوا ببيانٍ تمهيدي لمرحلة أكثر توترًا.

واليوم، حين يعود الملف الإيراني إلى جنيف، لا يبدو الأمر مجرد جولة تفاوضية جديدة. السؤال لم يعد تقنيًا حول نسب التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل سياسيًا وجوديًا: هل تختار طهران إعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي، أم المضي في اختبار حدود الصبر الدولي؟

إيران تقف أمام مفترق طرق تاريخي.

إما أن تقرأ الرسائل القادمة من خلف البحيرة جيدًا، فتتعامل ببراغماتية تفتح نافذة استقرار طويل،

وإما أن تتعامل مع جنيف كجولة لشراء الوقت، فتجد أن الوقت نفسه قد نفد.

في السياسة، أخطر لحظة هي تلك التي يظن فيها طرفٌ ما أن خصمه لن يذهب بعيدًا.

وفي جنيف، غالبًا ما يُكتشف متأخرًا أن الخطوط الحمراء لم تكن للعرض الإعلامي.

إن لم تكن هذه الجولة بداية تسوية، فقد تكون آخر محطة قبل انتقال الملف من الطاولة إلى مرحلة أكثر خشونة.

وجنيف، كما علّمنا التاريخ، لا تصرخ… لكنها كثيرًا ما تسبق صوت الانفجار.

التعليقات معطلة.