24 ـ طارق العليان
من جديد، تعود الولايات المتحدة وإيران إلى حافة مواجهة عسكرية، تتخللها لغة تهديد، وحشود بحرية، وتصريحات نارية، قبل أن تنتهي- كما في كل مرة- إلى تراجع متبادل غير معلن، واتصالات خلف الكواليس. الكاتب ليون هدار يقرأ هذا المشهد بوصفه حلقة إضافية في مسلسل طويل من الأوهام الأمريكية حول إمكانية إخضاع إيران بالقوة، ويؤكد أن سياسة الضغط الأقصى لم تُنتج يوماً استسلاماً إيرانياً، بل عمّقت الأزمة ورفعت منسوب المخاطر.
أزمة جديدة.. سيناريو قديم
وقال ليون هدار، كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية، ومشرف على مدونة Global Zeitgeist المعنية بتحليل التحولات الجيوسياسية العالمية، الكاتب إن كل أزمة أمريكية – إيرانية تكاد تتشابه في تفاصيلها: حاملة طائرات أمريكية تتجه إلى المنطقة، تحذيرات من حرب وشيكة، وموجة توقعات إعلامية عن ضربة عسكرية قريبة.
وأضاف الكاتب في مقاله بموقع “آسيا تايمز”، أن المواجهة الراهنة، التي اندلعت على خلفية قمع الاحتجاجات داخل إيران، وتزامنت مع نشر مجموعة حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن”، تسير وفق نص مألوف، يعرفه الطرفان جيداً.
تهديدات متبادلة وقنوات تفاوض خفية
وتابع الكاتب أن الرئيس الأمريكي يلوّح بإجراءات قاسية جداً، في الوقت نفسه الذي يعترف فيه بوجود محادثات جارية، بينما يحذر المرشد الإيراني من حرب إقليمية، في حين يعمل وزير الخارجية عبر وسطاء عمانيين للوصول إلى صيغة تفاوض عادلة ومتوازنة.
وأوضح الكاتب أن قوى إقليمية عدة، تسابق الزمن لمنع اندلاع نزاع لا يرغب فيه أحد.
فشل متكرر
وأضاف الكاتب أن الاعتقاد بأن الضغوط القصوى والتهديد العسكري سيجبران إيران على الاستسلام جرى اختباره مراراً، وفشل في كل مرة.
وأشار إلى أن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 لم يؤدِّ إلى كبح البرنامج النووي الإيراني، بل دفع طهران إلى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من الاستخدام العسكري.
القصف لا يصنع خضوعاً
وأوضح الكاتب أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت إيرانية عام 2025 لم تقضِ على البرنامج النووي، بل ربما سرّعت تصميم إيران على امتلاك قدرة ردع نووية.
وأضاف أن الاعتقاد بإمكانية قصف دولة حتى ترضخ يعكس سوء فهم جوهري لطبيعة الدبلوماسية القسرية.
كلفة الحرب
وتابع الكاتب أن إيران تمتلك ترسانة صاروخية قادرة على ضرب القواعد الأمريكية، إضافة إلى شبكات حلفاء قادرة على تنفيذ هجمات في أنحاء المنطقة.
وأشار الكاتب إلى أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، يظل نقطة ضعف خطيرة في حال اندلاع مواجهة واسعة.
ماذا بعد القصف؟
وأوضح الكاتب أن السؤال الجوهري الذي لا تجيب عنه واشنطن هو: ماذا سيحدث بعد توقف الغارات؟، وأضاف الكاتب أن النتيجة الأرجح ليست نظاماً إيرانياً مطيعاً، بل تصاعداً في النزعة القومية، وتعزيزاً لموقع المتشددين، وتسريعاً للسعي نحو السلاح النووي.
وأشار إلى أن التجارب الأمريكية في لبنان عام 1983، والعراق عام 2003، وليبيا عام 2011، أظهرت أن التدخلات العسكرية غالباً ما تنتج أزمات أعقد من تلك التي سعت إلى حلها. وأضاف أن الاستراتيجيات التي تبدو متقنة على الورق تنهار سريعاً عند اختبارها في واقع الشرق الأوسط.
الاحتجاجات لا تعني قابلية للانهيار
وأوضح الكاتب أن الاضطرابات الداخلية في إيران حقيقية ومهمة، لكنها لا تعني أن تدخلاً عسكرياً خارجياً سيخدم القوى الديمقراطية، مؤكداً أن القصف الخارجي غالباً ما يدفع الشعوب إلى الالتفاف حول حكوماتها بدلاً من التمرد عليها.
وتابع الكاتب أن دول المنطقة وحتى إسرائيل لا تبدي حماسة لحرب أمريكية – إيرانية واسعة، لما تحمله من مخاطر على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة، وإمكانية جر قوى كبرى مثل روسيا والصين إلى المواجهة.
وأضاف الكاتب أن المخرج الحقيقي للأزمة يكمن في المفاوضات الجارية في مسقط، التي قد تفضي إلى تفاهمات مؤقتة تشمل قيوداً على التخصيب مقابل تخفيف محدود للعقوبات، وآليات لمنع التصعيد العسكري.
إدارة الأزمات بدل أوهام الحسم
خلص الكاتب إلى أن العلاقة الأمريكي – الإيرانية معقدة إلى حد يستحيل معه الوصول إلى “حل نهائي”، وأن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إدارة التوتر لا إنهاؤه.
وأكد الكاتب أن البديل عن الدبلوماسية هو حرب لا تستطيع واشنطن كسبها عسكرياً، ولا تحمّل كلفتها سياسياً، ولا تسويقها داخلياً، في ظل معارضة شعبية واسعة لأي مواجهة مع إيران.
واقعية السياسة قبل مغامرة القوة
تثبت الأزمة الراهنة أن التهديد وحده لا يصنع سياسة ناجحة، وأن إدارة الخصومة تتطلب صبراً ودبلوماسيةً وتدرجاً، لا اندفاعاً واستعراض قوة. وبين وهم الهيمنة العسكرية وواقع التوازنات الإقليمية، يبقى الخيار الأقل كلفة هو القبول بتسويات ناقصة، لكنها قابلة للاستمرار.
حشود بحرية وتصريحات نارية.. عندما يصطدم تهديد ترامب بالواقع الإيراني

التعليقات معطلة.
