محمود عبدالراضى
يخطئ من يختزل معنى البركة في وفرة المال وحده، وكأن الرزق لا يُقاس إلا بما تحمله الجيوب أو تكشف عنه الأرقام، فالمال قد يأتي كثيرًا بلا بركة، وقد يذهب سريعًا دون أن يترك أثرًا من طمأنينة أو رضا.
أما البركة، فهي ذلك السر الهادئ الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة، فيجعل القليل كافيًا، والعادي جميلًا، والمرهق محتملًا.
البركة قد تسكن الجسد قبل أن تسكن الرصيد البنكي، صحة مستقرة لا يثقلها المرض، ونَفَسٌ ممتد لا يقطعه ألم مفاجئ، وقدرة على الاستيقاظ كل صباح دون شكوى أو إنهاك، هذه نعمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها، ولا يدرك وزنها الحقيقي إلا من ذاق مرارة العجز، أن تمر الأيام دون أبواب مستشفيات، فذلك شكل نادر من البركة لا يُشترى ولا يُعوّض.
وقد تكون البركة في الأبناء، حين يكبرون على خُلُق قبل علم، وعلى قيم قبل شهادات، أن تراهم صالحين، ناجحين، أسوياء النفس، يعرفون طريقهم دون انحراف، ويحملون اسمك دون أن يثقلوا قلبك خوفًا أو قلقًا، هذه بركة تمتد آثارها لسنوات، وتمنح صاحبها طمأنينة لا تضاهيها كنوز الأرض.
وتتجلى البركة في شريك حياة يمنحك السكينة لا الصخب، ويشاركك الحمل بدل أن يضيف إليه، زوجة صالحة، هادئة الروح، قريبة الفهم، لا تستنزف المشاعر ولا تحوّل البيوت إلى ساحات جدل ونكد، البركة هنا ليست في الزواج ذاته، بل في جودة العِشرة، وفي القدرة على الاحتمال والتسامح والرضا.
البركة قد تكون في دفء عائلة، في لمة أحباب لا يشوبها غل، أو في صداقة صادقة، نقية من المصلحة، أو في محبة الناس لك دون سبب واضح، وقد تكون في رصيد من الستر، وراحة بال لا تهتز مع كل أزمة، وقدرة على النوم ليلًا دون أثقال فكر أو ضجيج داخلي.
هي نعم صامتة، لا تلمع ولا تُعلن عن نفسها، لكنها إن غابت، شعرت بالحياة ثقيلة مهما كثرت فيها الأشياء.
لذلك، من الحكمة أن نحسن استخدام البركة، وأن نشكرها بالفعل قبل القول، وألا نستنزف رصيدها بالشكوى الدائمة أو السخط أو الجحود، فالبركة حين تُهمل، تنسحب في صمت، وحين تُصان، تكبر وتفيض.

