حين تختلط الرايات… ويضيع الوطن

13





 

 

مشهدٌ صادم… ومربك… ومؤلم.

رايات تختلط، ومعها تختلط المعايير. أيُّ انحرافٍ وطني هذا الذي نشهده اليوم؟ وأيُّ تعريفٍ ملتبسٍ للوطن يُراد لنا أن نتقبّله كأمرٍ عابر؟

أن يرفع من يُفترض أنهم عراقيون علم إيران أمام سفارة الولايات المتحدة في بغداد، غضبًا لاستشهاد المرشد علي خامنئي، بينما يقف الجندي العراقي موشّحًا بعلم بلاده لحماية بعثة دبلوماسية على أرضه… فهذه ليست تظاهرة عابرة، ولا انفعالًا مؤقتًا يمكن تفسيره بحرارة اللحظة. هذه لحظة كاشفة، تضعنا أمام مرآة قاسية، تكشف عمق الخلل في تعريف الوطن نفسه، وفي ترتيب سلّم الولاءات داخل الوعي الجمعي.

هنا لا نتحدث عن رأي سياسي أو اختلاف عابر في قراءة الأحداث، بل عن بوصلة انتماء ضائعة. عن معنى الدولة حين يُستبدل بمعنى الجماعة، ومعنى السيادة حين يُختزل في شعار يُرفع صباحًا ويُداس مساءً.

العلم ليس قطعة قماش.

العلم موقف… وهوية… وإعلان ولاء.

هو اختصارٌ مكثف لتاريخٍ وحدودٍ ودماءٍ سالت كي يبقى قائمًا. وحين يتقدّم علم دولةٍ أخرى المشهد داخل العاصمة العراقية، فالسؤال الحقيقي لم يعد: من يحتج؟ بل: باسم من يحتج؟ ولصالح من؟ وأيُّ رسالةٍ تُوجَّه إلى الداخل قبل الخارج؟

المفارقة الصادمة أن من يرفعون شعار السيادة صباحًا، هم أنفسهم من يحاولون اقتحام بعثة دبلوماسية مساءً، في خرقٍ واضح للقانون والدولة معًا. السيادة ليست شعارًا يُستخدم عند الحاجة، ولا ورقة ضغط تُستحضر حين تتطلبها المزايدات. السيادة التزام قانوني وأخلاقي، يبدأ باحترام مؤسسات الدولة وحدودها، قبل أن يتحول إلى خطابٍ حماسي على المنابر.

ويجد الجندي العراقي نفسه واقفًا وحده بين نارين: يحمي الدولة من الفوضى، ويحمي معنى الدولة من الانهيار. هو لا يحمي مبنىً فحسب، بل يحمي فكرة أن العراق كيانٌ معترفٌ به، له التزامات دولية، وله صورة يجب ألا تُختزل في مشهد اقتحام أو راية دخيلة. في تلك اللحظة، يصبح الجندي خط الدفاع الأخير عن فكرة العراق، لا عن جدارٍ أو بوابة.

والأشد وجعًا أن هذه العقول نفسها هي التي واجهت ثوار احتجاجات تشرين بالرصاص، وأجهضت صرختهم حين طالبوا بوطنٍ حر وسيادةٍ حقيقية. يومها كان صوت الوطن تهمة، وكان الحلم بدولة مستقلة جريمة. يومها طُلب من الشباب أن يخفضوا أعلام العراق كي لا يُغضبوا أحدًا خارج الحدود. أما اليوم، فيُراد للانحراف عن الوطن أن يُقدَّم بوصفه موقفًا مشروعًا، ولرفع راية غير عراقية أن يُسوَّق باعتباره تعبيرًا عن “الهوية”.

أي مفارقة هذه؟

وأي انقسام أخطر من هذا الانقسام؟

إنه صراع بين وطنٍ ودولة من جهة، وجماعةٍ وولاءٍ عابرٍ للحدود من جهة أخرى. بين عراق يُراد له أن يكون ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، وعراق يُراد له أن يكون سيد قراره. بين مشروع دولةٍ تسعى إلى تثبيت القانون، ومشروعٍ آخر يرى في الفوضى وسيلة ضغط، وفي ازدواجية الولاء أداة نفوذ.

ليست المشكلة في التضامن الإنساني مع أي شعب، ولا في التعاطف السياسي مع أي قضية خارج الحدود. فالعراق جزء من محيطه، ويتفاعل مع ما يجري حوله. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التعاطف إلى ذوبان، وحين يتحول الموقف السياسي إلى إعلان تبعية، وحين يُقدَّم الولاء العابر للحدود على أنه أسمى من الولاء الوطني.

الدولة لا تُبنى بازدواجية الرايات.

ولا تستقيم بهويةٍ مزدوجة.

ولا تحيا بسيادةٍ انتقائية.

وكلما ارتفعت راية غير عراقية في لحظة غضب داخلية، ارتفع معها سؤال الهوية… وتراجعت الإجابة. وكلما قُدِّم الولاء الخارجي بوصفه معيارًا للصدق أو النقاء، تراجع مفهوم المواطنة، وتآكلت فكرة الشراكة الوطنية.

الوطن ليس شعارًا موسميًا، ولا مساحةً مفتوحة لتجارب الآخرين. الوطن عقدٌ جامع، يقوم على مبدأ بسيط: أن تكون مصلحة العراق فوق كل اعتبار. لا فوقها مرشد، ولا حزب، ولا محور.

الانحراف الحقيقي ليس في الاحتجاج، فالاحتجاج حق.

وليس في الغضب، فالغضب شعور بشري مفهوم.

الانحراف يبدأ حين تتبدل الراية، وحين يُعاد تعريف الانتماء بما يخدم خارج الحدود أكثر مما يخدم الداخل.

إن أخطر ما في المشهد ليس صورة العلم المرفوع، بل الفكرة التي تبرره. الفكرة التي تقول إن العراق ساحة، لا دولة. وإن هويته قابلة للاستعارة، وإن سيادته قابلة للتأجيل. وهذه الفكرة، إن لم تُواجَه بوعيٍ وطني صريح، ستتكرر بأشكالٍ مختلفة، وفي محطاتٍ أكثر حساسية.

وحين تختلط الرايات… تضيع الدولة.

وحين يضيع معنى الوطن… لا يبقى شيء يستحق البقاء.

يبقى فراغٌ تتنازعه الولاءات، وتملؤه الفوضى، ويغيب عنه العراق الذي حلم به أبناؤه وطنًا جامعًا لا ساحة صراع.

السؤال اليوم ليس من الأقوى في الشارع، ولا من الأعلى صوتًا.

السؤال: أيُّ رايةٍ نريد أن تبقى حين تهدأ العاصفة؟

راية وطنٍ واحد، أم راياتٍ كثيرة… ووطنٍ ضائع؟

التعليقات معطلة.