في عالمٍ يُفترض أن تُدار فيه أخطر القرارات عبر المؤسسات والدساتير والتصريحات الرسمية، تجد شعوب منطقتنا نفسها تراقب مؤشرا أكثر تواضعا… وأكثر صدقا: ارتفاع الطلب على البيتزا قرب مراكز القرار العسكري في الولايات المتحدة. ليست نكتة عابرة، ولا طرفة وسائل التواصل الاجتماعي، بل تعبير ساخر عن أزمة ثقة عميقة بين ما يُقال علنا وما يُحضّر سرا.
على مدى سنوات، اعتادت المنطقة أن تعيش تحت وابلٍ من “المؤشرات”: تصريحات مقلقة ثم مطمئنة، تحركات عسكرية بلا تفسير، تسريبات محسوبة، وتحليلات لا تنتهي. كل مؤشر كان يُسوَّق بوصفه لحظة فاصلة، ثم يتبخر، تاركا الشعوب في حالة انتظار دائم. ومع تراكم الخيبات، تآكلت مصداقية الخطاب الرسمي، وبدأ البحث عن علامات لا تخضع للتجميل السياسي.
من لغة البيانات إلى لغة العادات
التقارير التي ربطت بين ارتفاع طلبات البيتزا وساعات العمل الطويلة داخل غرف العمليات العسكرية لم تُولد من فراغ. فحين تُشدَّد السرية، ويطول الليل، وتتوقف المؤتمرات الصحفية، تبقى العادات اليومية أكثر تعبيرًا من أي بيان رسمي. الطعام، في هذه اللحظات، يصبح شاهدًا صامتًا على ما يجري خلف الجدران السميكة.
السخرية هنا لا تستهدف “البيتزا” بحد ذاتها، بل تستهدف نظامًا سياسيًا جعل من الحرب إجراءً إداريًا، يُحضَّر بهدوء، ويُسوَّق لاحقًا بلغة الضرورة والردع. وحين تتكرر هذه الدورة، يصبح من الطبيعي أن تلجأ الشعوب إلى قراءة التفاصيل الصغيرة، لأنها تعلم أن التفاصيل الكبرى غالبًا ما تكون مُعدّة للاستهلاك الإعلامي فقط.
التهكّم بوصفه أداة وعي
لجوء الشارع العربي إلى “مؤشر البيتزا” ليس دليل سطحية، بل دليل وعيٍ ساخر. هو إدراك بأن الخطاب السياسي فقد قدرته على الإقناع، وأن الحقيقة لا تُقال كاملة إلا بعد فوات الأوان. السخرية، في هذا السياق، ليست هروبًا من الواقع، بل محاولة لفهمه دون الوقوع مجددًا في فخ الترقّب المضلِّل.
في واشنطن، قد تبدو هذه القراءة الشعبية مادة للابتسام. أما في الشرق الأوسط، فهي انعكاس لتجربة طويلة مع قرارات تُتخذ بعيدًا عن الشعوب، لكنها تُدفع من دمها واقتصادها واستقرارها. الفارق بين الطرفين أن أحدهما يطلب البيتزا… والآخر ينتظر العواقب.
حين تفقد المؤشرات معناها
المشكلة الأعمق ليست في المؤشر البديل، بل في انهيار الثقة بكل المؤشرات السابقة. عندما تُفرغ السياسة من صدقيتها، يصبح أي تفصيل – مهما بدا هامشيًا – أكثر قابلية للتصديق. وحين تُدار الحروب بلغة مزدوجة، لا يعود غريبًا أن تبحث الشعوب عن الحقيقة في الهامش، لا في المتن.
خاتمة
أن تصبح البيتزا أصدق من الخطاب السياسي ليس مدعاة للضحك، بل جرس إنذار. إنه دليل على أن الفجوة بين صانع القرار ومن يدفع ثمن القرار باتت أوسع من أي وقت مضى. وفي عالمٍ اعتاد تبرير الحروب بعد وقوعها، قد لا تكون المشكلة في المؤشر الذي نراقبه، بل في نظامٍ جعل من الحرب خبرًا روتينيًا، ومن الصدق حلما مؤجلا .

