خطة ترامب للسلام… ضوء أخضر للحرب!

6

 

 

من “صفقة القرن” إلى “صفعة القرن”: كيف تحوّل مشروع التسوية إلى شرعنة للحرب؟

 

لم يعد مفهوم “الأمن القومي العربي” محصورًا فقط في حماية الحدود والدفاع عن السيادة، بل أصبح أوسع وأعقد من ذلك بكثير، بعد أن تحولت فلسطين من قضية مركزية توحّد العرب إلى ورقة ضغط تمزقهم. ومنذ بداية القرن الجديد، أخذت موازين القوى تتبدل، وتراجعت قدرة الدول العربية على حماية عمقها الاستراتيجي، فيما تمددت إسرائيل سياسيًا وعسكريًا تحت غطاء أميركي سافر. في هذا السياق، جاءت “خطة ترامب للسلام” أو ما عُرفت بـ”صفقة القرن”، ليس باعتبارها مشروع تسوية بقدر ما هي محطة مفصلية في الانحدار الخطير للأمن القومي العربي، إذ نقلت الصراع من مربع التفاوض إلى مربع الإملاء، ومن مساحة الحلول السياسية إلى شرعنة الحرب تحت عنوان “السلام”.

حين أُطلقت الخطة جرى الترويج لها بوصفها “الفرصة الأخيرة” لإنهاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. غير أن جوهرها المبطن لم يكن سلامًا ولا تسوية عادلة، بل تفويضًا مفتوحًا لإسرائيل بالمضي في مشروعها الأحادي، سواء بالضم أو بتوسيع دائرة الحرب، تحت غطاء سياسي أميركي غير مسبوق.

الخطة بدت منذ البداية منحازة بشكل كامل للرؤية الإسرائيلية، إذ منحت القدس لإسرائيل، وشرعنت المستوطنات، وطرحت كيانًا فلسطينيًا هشًّا منزوع السيادة. لكنها أخطر من ذلك في طريقة صياغتها: فقد ربطت نجاحها بموقف الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس. وهنا يظهر الفخ الكبير:

فإذا وافقت حماس، فإنها تدخل في مسار تنازلي يقضي على جوهر القضية الفلسطينية، ويكرّس الأمر الواقع لصالح إسرائيل.

وإذا رفضت ، وهو الاحتمال الطبيعي والمنطقي ، يتحول الرفض إلى ذريعة جاهزة لإسرائيل لتبرير التصعيد العسكري والتوسع في عملياتها، بحجة أن “الفلسطينيين لا يريدون السلام”.

بهذه الآلية، وضعت الخطة الفلسطينيين أمام معادلة صفرية: إما القبول بما يُفرض عليهم، أو مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية بغطاء أميركي كامل. وبالمقابل، منحت إسرائيل حرية مطلقة في تفسير الموقف وتنفيذ ما تراه مناسبًا، من ضم الأراضي إلى شن الحروب.

إن خطورة الخطة أنها أعادت تعريف “السلام” نفسه: لم يعد يعني اتفاقًا متوازنًا أو حقوقًا متبادلة، بل صار مرادفًا للاستسلام الفلسطيني. وكل رفض أو اعتراض لا يُقرأ في واشنطن وتل أبيب إلا كتبرير إضافي لاستعمال القوة. والنتيجة أن الخطة لم تفتح باب التسوية، بل فتحت بابًا واسعًا للحروب المقبلة، إذ أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل كي تمضي في خياراتها العسكرية دون خشية من مساءلة دولية.

ما جرى عمليًا هو أن الخطة تحولت من مشروع سياسي إلى وثيقة تمنح إسرائيل حصانة سياسية، وتجرد الفلسطينيين من أي أداة للمناورة أو المقاومة. لقد أُلبس مشروع الحرب ثوب السلام، وغُلفت الهيمنة بشعارات “الازدهار والرخاء”، فيما الجوهر لم يتغير: فرض واقع بالقوة، وإلقاء اللوم كله على الطرف الأضعف.

واليوم، وبعد سنوات على طرحها، يتضح أن خطة ترامب لم تكن لحظة سلام ضائعة، بل كانت إعلانًا عن مرحلة جديدة من التفكك العربي والانكشاف الاستراتيجي. لقد منحت إسرائيل الشرعية والغطاء، فيما جرّدت العرب من عمقهم الأمني والسياسي، لتتحول القضية الفلسطينية من عنوان للوحدة إلى مدخل للفوضى والانقسام. إن ما يسمى بـ”صفقة القرن” لم يكن سوى “صفعة القرن” للأمن القومي العربي، إذ دشّنت عهدًا تملك فيه إسرائيل اليد الطولى، فيما تتراجع الدول العربية إلى مواقع المتفرج العاجز، تاركة مصيرها رهينة لمعادلات فرضت عليها بالقوة.

لكن السؤال الأخطر يبقى معلقًا: إذا استمر هذا الانحدار، وإذا بقيت القضايا المصيرية تُدار بمنطق الإملاء لا الحوار، فهل يبقى هناك أصلًا ما يُسمى “أمنًا قوميًا عربيًا”، أم أننا أمام مرحلة انهيار شامل، حيث تتحول المنطقة كلها إلى فسيفساء من النزاعات المفتوحة التي لا غالب فيها ولا مغلوب؟

إنها ليست خطة للسلام، بل رخصة مفتوحة للحرب… وصفعة قاصمة لما تبقى من الأمن القومي العربي.

التعليقات معطلة.