ليست «عملية العزم المطلق» التي أطلقتها الولايات المتحدة على الهجوم الذي استهدف فنزويلا عند منتصف ليل الجمعة – السبت الماضي وانتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، عملاً خارج المفاهيم الأمريكية التقليدية التي تتعامل مع القانون الدولي وسيادة الدول كأفكار بالية، فهي تحاكي تلك التي جرت عام 1990 في بنما، حيث تم اعتقال الرئيس مانويل نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة بتهمة الابتزاز وتهريب المخدرات وغسل الأموال والحكم عليه بالسجن لمدة 40 عاماً.
لم تكن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتواصلة ضد فنزويلا والرئيس مادورو منذ أشهر وترديده بأن النفط الفنزويلي هو نفط أمريكي منهوب سوف يسترده، مجرد تهديد كلامي، بل كان تأكيداً على نوايا ما حصل، وأنه كان يعدّ العدّة لهذه العملية، فقد أكد رئيس الأركان الأمريكي دان كاين خلال مؤتمر صحفي مشترك مع ترامب ووزيري الدفاع والخارجية، أن العملية «تطلبت شهوراً من الإعداد، والتمرين المكثف، وتم تنفيذها بسرعة عالية خلال ساعات الظلام، وشارك فيها أكثر من 150 طائرة انطلقت من مواقع متعددة في النصف الغربي من القارة الأمريكية»، وكان مقرراً تنفيذها قبل أربعة أيام لكنها تأخرت بانتظار تحسن الظروف الجوية.
إذاً، كان التدخل العسكري في فنزويلا مقرراً منذ فترة، وتم الإعداد له بشكل سري ومحسوب من خلال مستوى عالٍ من التخطيط الاستخباراتي بمشاركة المخابرات الأمريكية واستخدام التقنيات التكنولوجية للسيطرة على الأرض والسماء، وإنجاز المهمة سريعاً.
ورغم اعتقال مادورو ونقله إلى نيويويرك للمحاكمة بالتهم نفسها التي تم توجيهها إلى نورييغا، إلا أن النظام الفنزويلي لا يزال صامداً، لأنه يستند إلى قاعدة شعبية واسعة ودعم الجيش والمؤسسات القضائية، وعلى إرث كرسه الرئيس الراحل هوغو شافيز، لكن صموده يتوقف على مدى تعرضه للضغوط الأمريكية الاقتصادية والعسكرية التي تحدد مسار المستقبل.
صحيح أن العملية العسكرية الأمريكية لم تحصل على موافقة الكونغرس، كما هو مفترض، وتعتبر خرقاً للقانون الدولي وانتهاكاً لسيادة الدول، وحصانة الرؤساء، لكن، متى كانت الولايات المتحدة تعير اهتماماً لهذه القيم التي تحكم العلاقات الدولية. فما حصل هو إعادة لإرث التدخلات الإمبريالية في أمريكا اللاتينية وفي العالم، وتكرار لإطلاق تبريرات جوفاء لا تستند إلى الحقيقة للقيام بعمليات تدخل أو غزو أو احتلال.
لكن الدرس الأساسي في ما حصل هو انكشاف الفجوة العميقة في التحالف بين فنزويلا وكل من روسيا والصين. صحيح أن البلدين أدانا العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا، باعتبارها تشكل «انتهاكاً للقانون الدولي، واستخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، وضد رئيس دولة»، وأعربتا عن «القلق» و«التركيز على الحوار لإيجاد مخرج للأزمة»، إلا أن البلدين اللذين يرتبطان بتحالف مع فنزويلا ارتأيا الاكتفاء بالتنديد من دون أي إجراء فعلي يجعل من هذا التحالف مظلة حماية لفنزويلا والرئيس مادورو. فروسيا منشغلة بحرب أوكرانيا وبحاجة لواشنطن في البحث عن تسوية لهذه الحرب، والصين ما زالت تشق طريقها الاقتصادي المميز، وتعمل على تطوير قدراتها الدفاعية، ومنهمكة في أزمتها مع تايوان.
المهم في كل ما جرى أنه لا أمن ولا سلام مع هذه الإدارة، والقانون الدولي ومعه سيادة الدول وضعته الولايات المتحدة في متحف التاريخ منذ زمن طويل، والأمن المستعار لا يقي ولا يسمن من جوع.
دروس من فنزويلا

التعليقات معطلة.
