دول الخليج تتناقض في مسار نفوذها في اليمن

10

 

 

اليمن لم يعد مجرد دولة تشهد صراعًا داخليًا أو أزمة إنسانية مستمرة، بل أصبح مرآة تكشف التناقضات الإقليمية واستراتيجيات النفوذ الدولي. فالبلد الذي طالما شكّل جغرافياً وسياسيًا محورًا حيويًا للمنطقة، يواجه اليوم صراعات متعددة الطبقات، لم تعد مجرد مواجهات بين جماعات مسلحة أو نزاعات على الشرعية، بل صراع على النفوذ الإقليمي نفسه. وهذا ما يجعل دراسة سياسات دول الخليج تجاه اليمن ضرورة لفهم مستقبل الصراع، وإدراك حدود تأثير التحالفات العسكرية والسياسية في المنطقة.

في هذا الإطار، تتباين السياسات الخليجية بشكل واضح. الرياض تعتمد على الحلول العسكرية المباشرة، محاولًة فرض شرعية الحكومة المعترف بها دوليًا، عبر العمليات العسكرية المستمرة ودعم المكونات السياسية الرسمية. على النقيض، أبوظبي ركزت على إدارة النفوذ المحلي من خلال بناء تحالفات مع جماعات مسلحة ومناطق نفوذ استراتيجية، مع تعزيز مصالح اقتصادية وتجارية مستقلة، ما خلق تباينًا داخليًا ضمن التحالف نفسه. هذه الاختلافات لم تضعف فقط فعالية التحالف العربي، بل أوجدت أيضًا فرصًا للحوثيين للاستفادة من الانقسام، مع الحفاظ على خطوط تفاوض مفتوحة مع الأطراف المختلفة.

التناقض يمتد أيضًا إلى الأهداف الاستراتيجية الكبرى. بعض العواصم الخليجية تهتم بضمان الممرات البحرية والطرق التجارية الحيوية، بينما تركز أخرى على تحقيق نفوذ سياسي طويل الأمد عبر دعم قيادات محلية قابلة للتفاوض، وتوظيف المؤسسات الاقتصادية لصالح مصالحها الخاصة. هذه التباينات تجعل أي حل شامل بعيد المنال، وتطيل أمد الأزمة، وتزيد تعقيداتها الإنسانية والسياسية، حيث يستمر اليمن في الانزلاق نحو أزمات متتالية، مع ضعف مؤسسات الدولة وفقدان السيطرة على مفاصلها الحيوية.

وفي ظل هذا الواقع، يجب أن يكون واضحًا أن الحل الحقيقي لا يأتي من الخارج، مهما بلغت القوة العسكرية أو الدعم الاقتصادي. اليمن بحاجة إلى توافق داخلي شامل بين أبنائه، يتم فيه إنهاء النفوذ الخارجي المتناقض، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس وطني بعيد عن المصالح الإقليمية المتضاربة. أي حل جزئي أو نفوذ خارجي متفرّق سيظل يفاقم الأزمة ويؤجل فرص السلام، كما أظهرت التجارب الماضية .

 اليمن اليوم أمام مفترق حاسم، يكشف أن أي تحرك إقليمي متناقض يعزز أزمات الدولة ويجعل الحل السياسي بعيدًا. لا استقرار حقيقي يمكن تحقيقه إلا بقرار يمني داخلي يضع حداً للنزاعات الداخلية ويفرض التوافق الوطني، مع إنهاء التدخلات الخارجية التي حولت الدولة إلى ساحة نفوذ أكثر منها كيانًا مستقلًا وفاعلاً .

التعليقات معطلة.