رسوم ترمب على السيارات بمثابة إعلان حرب اقتصادية على بريطانيا

2


يهاجم الرئيس الأميركي كل دولة تقريباً برسومه الجمركية وليس بوسع المملكة المتحدة حالياً سوى الانحناء للعاصفة، لكن اللافت أن روسيا هي الدولة الوحيدة المستفيدة من قراراته

شون أوغرايدي مساعد رئيس التحرير



“لا يمكننا حتى فرض رسوم جمركية انتقامية على سيارات ‘تيسلا’ لأن معظم السيارات المعروضة للبيع في بريطانيا مصنوعة في ألمانيا أو الصين” (أ ف ب/غيتي)

ملخص
تشكل رسوم ترمب الجمركية تهديدا لصناعة السيارات البريطانية مما يفرض على الحكومة البحث عن حلول لتخفيف الأضرار، وبينما تظل خيارات الرد محدودة يبقى التفاوض والحفاظ على العلاقات الاقتصادية والدفاعية مع واشنطن الخيار الأكثر واقعية لتجنب تداعيات سلبية واسعة.

ليس أمام الحكومة سوى أيام معدودة للإسهام في درء ضرر جسيم قد يلحق بصناعة السيارات البريطانية، وهي تدرك جيداً أن المملكة المتحدة تصدر سيارات بقيمة 6 مليارات جنيه إسترليني إلى الولايات المتحدة، وأن هذه التجارة معرضة للرسوم الجمركية البالغة 25 في المئة التي يخطط لها دونالد ترمب ووقّع عليها بالفعل، والمقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 2الثاني من أبريل (نيسان) المقبل.

أثناء قراءتك لهذه المقالة تشهد الموانئ البريطانية حركة شحن مكثفة لسيارات “رينج روفر” و”بنتلي” الفاخرة في محاولة لتصديرها إلى الولايات المتحدة قبل سريان الرسوم الجمركية الجديدة، وعلى رغم أن تأثير هذه الرسوم في الاقتصاد البريطاني قد لا يكون كارثياً على المستوى الوطني، إذ تمثل صناعة السيارات 0.2 في المئة فقط من إجمال الناتج المحلي، لكنها ستوجه ضربة قاسية لبعض القطاعات، بخاصة في ظل التحديات التي يفرضها “بريكست”.

ومن بين المناطق الأكثر تضرراً دائرة وولفرهامبتون التي يمثلها بات ماكفادن، أحد المقربين من رئيس الوزراء كير ستارمر، ويعتمد اقتصاد هذه المنطقة بصورة كبيرة على مصنع محركات “جاكوار لاند روفر”، حيث يعمل آلاف من سكانها، ومن المتوقع أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى فقدان كثير من الوظائف في هذا المصنع.



حرب الرسوم الجمركية الأميركية بدأت والمتضررون حلفاء واشنطن
وتبدو سياسات دونالد ترمب التجارية الأخيرة وكأنها إعلان حرب اقتصادية شاملة، وهو توصيف ليس ببعيد من الواقع، فالحروب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي تستهدف العالم بأسره تقريباً ولا تستثني حتى أقرب الحلفاء والشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وهذه السياسات تنذر بانكماش اقتصادي عالمي وتثير تساؤلات حول منطقها، وكما يبدو فإن ترمب يرى أن “الحلفاء غالباً ما يكونون أسوأ من الأعداء”، وهو ما يفسر استهدافه لدول مثل كندا والاتحاد الأوروبي بغضب خاص، وقد أبدت هذه الدول استعدادها للرد بالمثل مما ينذر بتصعيد خطر قد يعيد للأذهان ذكريات الكساد الكبير خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

وكما عهدناه، لا يرى دونالد ترمب السياسة التجارية بمعزل عن الملفات الأخرى، ففي قاموسه يمكن بسهولة استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية، وعلى سبيل المثال قد يطالب المملكة المتحدة بالتخلي عن ضريبة الخدمات الرقمية في مقابل إعفائها من الرسوم الجمركية، مما سيكبد وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز خسائر تقدر بـ 800 مليون جنيه إسترليني، وإذا قررت الدول المتضررة الانتقام فإن ترمب لن يتردد في استخدام أسلحة أخرى، وقد يلجأ إلى التهديد بسحب الضمانات الدفاعية، سواء كانت في إطار الـ “ناتو” أو خارجه، أو إنهاء التعاون العلمي والثقافي، أو تقييد تأشيرات العمل والزيارة، وباختصار فكل الخيارات مطروحة على الطاولة وترمب لن يكترث بالعواقب.

المفارقة الكبرى أن البلد الوحيد الذي يتحدث ترمب عن تخفيف القيود التجارية ورفع العقوبات عنه هو روسيا، وعلى رغم أنه لم يُخدع بعد لتنفيذ ذلك، إذ أدرج الروس الفكرة بذكاء من طرف واحد في أحد البيانات الصادرة عن محادثات السلام في شأن أوكرانيا في جدة، فإن من المعروف أن ترمب وفريقه مصممون بشدة على تطبيع العلاقات مع روسيا في أقرب وقت ممكن، وأن أوكرانيا لن تكون عائقاً أمام هذا الهدف الإستراتيجي المتهور، وعاجلاً أو آجلاً ستحصل روسيا على العلاقة الاقتصادية الأكثر تفضيلاً مع أميركا مقارنة بأية دولة أخرى في العالم، وهذا هو مقياس التغيير الثوري الذي يُحدثه ترمب في الجغرافيا السياسية، حتى لو لم يدرك كثيرون بعد ما يحدث أمام أعينهم.

ما هو المسار الأمثل لبريطانيا في ظل هذه الظروف؟

يبدو أن الحفاظ على الهدوء والمضي قدماً في المفاوضات يمثلان الرد الأكثر منطقية وعقلانية، ونظراً إلى كون واردات المملكة المتحدة من الصلب والألومنيوم والسيارات الأميركية محدودة، فإن قدرتها على ممارسة ضغوط مؤثرة في الولايات المتحدة تبقى ضئيلة، وفي المقابل يمتلك كل من الاتحاد الأوروبي والصين نفوذاً أكبر إلا أنهما أيضاً يواجهان تحديات جمة نتيجة السياسات الحمائية التي يتبناها ترمب، ويذكر أن المستهلكين والشركات الأميركية سيتحملان العبء الأكبر من هذه الإجراءات، حتى إن فرض رسوم جمركية انتقامية على سيارات “تيسلا” مثلاً لن يكون مجدياً، لأن معظم السيارات المعروضة للبيع في بريطانيا تصنّع في ألمانيا أو الصين.

وفي هذا السياق قد تكون المقاطعة الطوعية من قبل المشترين أكثر فعالية، ومما يزيد الأمر تعقيداً أن بعض الطرازات المستوردة من الولايات المتحدة لا تحمل العلامات التجارية الأميركية المألوفة، فسيارات BMW X5 التي تُصنع في سبارتانبرغ بولاية كارولينا الجنوبية ولكن بمحركات ألمانية الصنع، هي مثال على ذلك، ويمكنكم الآن فهم سبب رفض هذه الصناعة المتكاملة للرسوم الجمركية والقيود التجارية، على غرار تلك التي جرى فرضها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فرفع الرسوم الجمركية البريطانية على الواردات الأميركية يعني ببساطة ارتفاع أسعار السيارات بالنسبة إلى العائلات البريطانية، وهو إجراء لا مبرر له، لكن الخطر الأكبر يكمن في احتمال أن يتساءل ترمب أمام مساعديه في البيت الأبيض، بجدية أو بسخرية، عن جدوى مشاركة بلاده معلوماتها الاستخباراتية الحساسة مع البريطانيين، أو حتى تكنولوجيا صواريخ “ترايدنت” النووية، ولا شك في أن هذا السيناريو سيؤدي إلى عواقب وخيمة بالنسبة إلى بريطانيا، بينما لن يغير شيئاً في حسابات البيت الأبيض.

في الحروب التجارية لا منتصر، فالجميع خاسرون ولكن بدرجات مختلفة، وفي هذا السياق قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو تقبل الوضع الراهن والتأمل في أن يتحمل الأثرياء الأميركيون جزءاً من العبء عبر دفع مبالغ إضافية لشراء سياراتهم الفاخرة من طراز “بنتلي كونتيننتال”.

© The Independent

التعليقات معطلة.