كوردستان
شفق نيوز/ زهرة النرجس
شفق نيوز- أربيل/ السليمانية/ كركوك
مع بداية فصل الشتاء واقتراب الربيع، تعود زهرة النرجس لتحتل مكانتها الخاصة في المدن والمناطق الكوردية، بوصفها زهرة ارتبطت بالهوية والذاكرة الجمعية للكورد، حتى باتت تُعرف شعبياً بأنها زهرتهم المفضلة.
هذه الزهرة البيضاء ذات القلب الأصفر لا تُشترى للزينة فحسب، بل تحمل في رائحتها حكايات القرية والجبال والطفولة، وتتحول كل عام إلى طقس موسمي يتكرر في البيوت والأسواق، كإشارة غير مكتوبة على أن الشتاء يتهيأ للرحيل.
في جولة ميدانية لوكالة شفق نيوز شملت أسواق كركوك وأربيل والسليمانية، بدا واضحاً أن النرجس ما زال يحتفظ بحضوره رغم تغير أنماط الحياة وانتشار الزهور المستوردة.
كركوك
في سوق كركوك الرئيسي، ولا سيما في محيط رحيم آوه ومداخل السوق القريبة من مستشفى الجمهوري، يقف باعة النرجس منذ ساعات الصباح الأولى حاملين باقات صغيرة مربوطة بخيوط بسيطة أو موضوعة في أوعية بلاستيكية، فيما تتصاعد رائحة الزهرة مع ازدحام السوق، لتختلط بأصوات الباعة وحركة المتسوقين.
ويقول بائع النرجس في سوق كركوك، كاوه رسول، إن الإقبال على النرجس يبدأ مع أولى ساعات الصباح، مبيناً أن سعر الباقة الواحدة يتراوح بين 3 آلاف دينار عراقي (دولارين) إلى 4500 دينار عراقي (3 دولارات) بحسب حجمها ونضارتها، وهو سعر بقي مستقراً خلال المواسم الماضية.
ويضيف رسول لوكالة شفق نيوز، أن معظم الزبائن لا يفاصلون في السعر، لأن شراء النرجس بالنسبة لهم مرتبط بالحنين أكثر من كونه عملية بيع وشراء، مشيراً إلى أن بعض الزبائن يأتون خصيصاً للسؤال عنه حتى قبل وصوله إلى السوق.
وخلال الجولة، التقت وكالة شفق نيوز بأم دلشاد، وهي امرأة خمسينية من أهالي كركوك، كانت تحمل باقة نرجس صغيرة، تقول إن هذه الزهرة تعيدها إلى أيام الطفولة في القرية، حين كانت تجمعها مع عائلتها من السفوح القريبة.
وتضيف أم دلشاد أن وضع النرجس في البيت يمنح شعوراً بالراحة والسكينة، خاصة في أيام الشتاء الطويلة، وكأنه يعيد شيئاً من دفء الريف إلى المدينة الصاخبة.
أربيل
وفي أربيل، تتخذ تجارة النرجس شكلاً أكثر تنظيماً، خصوصاً في أسواق القلعة والقيصرية وشارع الإسكان، حيث تُعرض باقات النرجس إلى جانب أنواع أخرى من الزهور المحلية والمستوردة.
ورغم هذا التنوع، يبقى الطلب على النرجس مرتفعاً، حيث يقول أحد باعة الزهور في سوق القيصرية، يدعى سربست عمر، إن النرجس يبيع نفسه بنفسه، فبمجرد وصوله إلى السوق يبدأ الطلب عليه، ولا سيما في عطلات نهاية الأسبوع.
ويشير عمر خلال حديثه لوكالة شفق نيوز إلى أن كثيراً من الزبائن يشترونه للإهداء، باعتباره رمزاً بسيطاً لكنه معبّر.
وفي أحد أزقة السوق، التقت وكالة شفق نيوز بعزيز كريم، وهو طالب جامعي، قال إنه يحرص على شراء النرجس في كل موسم ليضعه في بيت العائلة، لأن رائحته تعيد أجواء الريف إلى المدينة، وتمنح شعوراً بالدفء لا توفره الزهور الأخرى، لافتاً إلى أن هذه الزهرة باتت جزءاً من ذاكرة العائلة، ولا يكتمل الموسم من دونها.
السليمانية
أما في السليمانية، فإن للنرجس حضوراً مختلفاً، إذ يرتبط بالثقافة والشعر والأغنية الكوردية، ففي أسواق سراي ومولوي وكاني با، تبدو عملية بيع النرجس مصحوبة بأحاديث طويلة بين الباعة والزبائن، تتداخل فيها الذكريات مع الحكايات التراثية.
ويقول بائع النرجس في سوق سراي يدعى آلان محمود إن الكثير من الزبائن يشترون النرجس لأنه جزء من هويتهم الثقافية، وليس للزينة فقط.
ويضيف محمود لوكالة شفق نيوز أن رائحة النرجس تذكّر الناس بقصائد وأغانٍ قديمة لطالما ارتبطت بهذه الزهرة في الوجدان الكوردي.
وتُظهر الجولة الميدانية أن معظم كميات النرجس المعروضة في الأسواق الثلاثة تأتي من المناطق الجبلية والريفية القريبة، أو من بساتين صغيرة يديرها مزارعون محليون، ما يجعل الزهرة طازجة لكنها سريعة الذبول، وهو ما يدفع الناس إلى شرائها فور توفرها.
ويؤكد بعض الباعة أن هذه السرعة في الذبول تُعد جزءاً من جمال النرجس، لأنها تجعله موسماً عابراً لا يمكن تخزينه أو تأجيله.
ورغم انتشار الزهور المستوردة ذات الألوان الزاهية والأشكال المتنوعة، يبقى النرجس محافظاً على مكانته، لأنه لا ينافس بالشكل بقدر ما ينافس بالرائحة والرمزية.
وفي البيوت الكوردية، لا تحتاج باقة النرجس إلى ترتيب خاص، إذ توضع غالباً في أوعية بسيطة قرب النوافذ أو في غرف الجلوس، لتملأ المكان برائحة تذكّر بالطبيعة والجبال، وتخلق حالة من الهدوء والحنين.
ويجمع من التقتهم وكالة شفق نيوز على أن النرجس ليس مجرد زهرة موسمية، بل ذاكرة متنقلة من الجبال إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى البيوت.
وهكذا، من كركوك إلى أربيل وصولاً إلى السليمانية، تتكرر الحكاية ذاتها كل عام، إذ تظل زهرة النرجس رمزاً بسيطاً لكنه عميق، يجمع بين الجمال والطبيعة والحنين، ويؤكد أن بعض التفاصيل الصغيرة قادرة على حمل هوية شعب بأكمله، وأن زهرة واحدة قد تكون كافية لإحياء ذاكرة جماعية لا تذبل مع الزمن.

