ليست إشكالية دونالد ترامب في كونه رئيسًا “غير تقليدي” فحسب، بل في أنه حوّل عدم التقليدية إلى منهج حكم، قائم على المفاجأة، والتناقض، وكسر القواعد دون بناء بديل مستقر. فمنذ عودته إلى واجهة المشهد السياسي، عادت معه سياسة خارجية مرتبكة، وخطاب داخلي منقسم، أعادا إنتاج القلق نفسه الذي عاشه العالم والولايات المتحدة خلال ولايته الأولى، ولكن بظروف دولية أكثر هشاشة وخطورة.
ارتباك القرار بدل وضوح الاستراتيجية
السياسة في عهد ترامب لا تُدار وفق رؤية طويلة الأمد، بل عبر ردود أفعال آنية، وتصريحات متقلبة، ومواقف تتغير بين ليلة وضحاها. حلفاء واشنطن لا يعرفون أين يقفون، وخصومها لا يثقون إن كانت التهديدات جدية أم مجرد أوراق تفاوض. هذا الغموض، الذي يروّج له أنصار ترامب باعتباره “دهاءً سياسيًا”، تحوّل عمليًا إلى عامل عدم استقرار عالمي، أربك ملفات كبرى من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن الصين إلى حلف الناتو.
العالم يدفع ثمن المزاج السياسي
في السياسة الدولية، الثبات قيمة، والتنبؤ عنصر قوة. لكن ترامب قلب هذه القاعدة، فباتت السياسة الأمريكية تُقرأ من خلال تغريدة، أو تصريح مرتجل، أو تسريب مقصود. هذا النمط أضعف الثقة بالدور القيادي لواشنطن، وفتح المجال لقوى أخرى لملء الفراغ، ليس لأنها أقوى، بل لأن الولايات المتحدة بدت أقل اتساقًا مع نفسها.
الداخل الأمريكي: انقسام بلا أفق
لم يكن الارتباك خارجيًا فقط. في الداخل، عمّق ترامب الاستقطاب إلى مستوى غير مسبوق. الدولة العميقة في صدام مفتوح مع البيت الأبيض، المؤسسات تحت ضغط دائم، والرأي العام منقسم بين ولاء شخصي للرئيس وعداء حاد له. تحوّلت السياسة من إدارة مصالح إلى معركة هوية، ومن نقاش برامج إلى صراع وجودي، ما جعل الاستقرار الداخلي نفسه موضع تساؤل.
اقتصاد قوي… وسياسة قلقة
حتى حين تحقق الإدارة أرقامًا اقتصادية إيجابية، فإنها تُهدرها سياسيًا. الأسواق تكره المفاجآت، والحلفاء يكرهون الابتزاز، والناخب العادي يبحث عن طمأنينة لا عن معارك يومية. ترامب قد يربح جولة إعلامية، لكنه يخسر على مستوى الثقة التراكمية، وهي العملة الأهم في الحكم.
العالم لا يُدار بعقلية الصفقات فقط
أكبر أخطاء ترامب أنه يتعامل مع السياسة الدولية كصفقات عقارية: ربح سريع، ضغط أقصى، وتنازل قسري. لكن الدول ليست شركات، والتحالفات ليست عقودًا قصيرة الأجل، والنفوذ لا يُقاس فقط بالأرباح، بل بالقدرة على بناء نظام مستقر يخدم المصالح على المدى البعيد .
سياسة ترامب المتخبطة لا تربك خصوم أمريكا فقط، بل تربك أصدقاءها، ومؤسساتها، ومجتمعها. هي سياسة تُنتج ضجيجًا أكثر مما تُنتج حلولًا، وتخلق أزمات أكثر مما تُنهي نزاعات. وفي عالم يقف على حافة تحولات كبرى، يبدو أن أكبر خطر لم يعد في قوة الخصوم، بل في غياب البوصلة داخل واشنطن نفسها.سياسة ترامب المتخبطة تربك العالم والداخل الأمريكي

