انتقلت كرة الصراع الأساسي من غزة إلى لبنان. كل شيء معدّ أو مستعد لإشعال البركان. وكل الأفرقاء يتصرفون وكأن الموقف اللبناني نفسه لا وجود له ولا أهمية ولا معنى. ويوضع لبنان أمام فرضين لا أمام خيارين: الأول يقضي بتسليم سلاح «حزب الله» إلى الدولة، أو لا سلاح ولا دولة ولا لبنان الذي عرفتموه. يُختصر هذا الموقف بعبارة شديدة «الفرصة الأخيرة». في المقابل هناك موقف المحور الإيراني وفق علي لاريجاني: السلاح هو الوجود. بل أكثر.
الإنذارات تتتالى والوقت سريعاً يزول. وهناك فترة سماح تنتهي آخر السنة بسبب أعياد رأس السنة وزيارة بابا الفاتيكان. بعدها تصبح إسرائيل في حل باستخدام نموذج غزة، معتمدة واقعاً راسخاً، وهو أننا في عالم غارق في بحر من دموع التماسيح.
يقول وزير خارجية إيران، عباس عراقجي، إن بلاده لا تتدخل في شؤون لبنان الداخلية. لماذا توضح الواضحات؟. لا تتعب نفسك. العالم أجمع يعرف ذلك. أي أنكم تتدخلون فقط في شؤونه الخارجية، براً وبحراً وجواً. ويا حضرة الوزير، من يقرأ الصحف الإيرانية يشعر بأنه لم تعد لديكم شؤون داخلية غير لبنان.
شاع أيام الرئيس عبد الناصر شعار يقول «لا للاستعمار». واستبدل به الشاعر أنسي الحاج في نقده للحكومة اللبنانية آخر يقول «لا للاستحمار!». لا تحصى علل اللبنانيين لكن ثمة إجماعاً بأن الافتقار إلى الفطنة ليس بينها.
إذن، دخل لبنان مرحلة العد العكسي، والإنذارات من كل ميل، والاستهتار به من كل صوب.
ومن طهران يلقي علي لاريجاني درساً آخر في النضال وحب الأرض والوطن، قبل أن يدشن نصباً آخر لـ«فيلق القدس» في جنوب لبنان.
بعد نصف قرن على انتزاع شعار القدس من العرب، ها هي إيران تمهد الطرق إلى المدينة المقدسة وتوسعها. طريق غزة. طريق البقاع. طريق فنزويلا. الطريق البحري على بحر العرب.
في بيروت ضيف آخر هذه الأيام المنهكة: وزير خارجية مصر موفداً من الرئيس عبد الفتاح السيسي. لا يكاد يغادرنا حتى يعود حاملاً رسالة واحدة: يا جماعة، الخطر عليكم مرعب هذه المرة والحرب إبادية. اتعظوا من دمار القيامة في غزة. تعلموا من عقم الأسرة الدولية. يكاد يكمل، كفاكم تصوير الانتحار انتصاراً، وغزة المرمدة طريقاً إلى زهرة المدائن.

