محمد بن سعيد الفطيسي
لا شك أنَّ لكُلِّ مرحلة زمنيَّة ظروفها واحتياجاتها الخاصَّة من السياسات والقيادات، فمَن يصلح في مرحلة زمنيَّة ما قد لا يصلح في مرحلة أخرى، وليس ذلك نقصًا أو عيبًا في الشخص نفسه بقدر ما هي إمكانات وقدرات تتناسب مع المرحلة التاريخيَّة والوطنيَّة الراهنة، وكما قيل في الأمثال «لِكُلِّ زمانٍ دولةٌ ورجالٌ».
لذا فممَّا لا يُمكِن تجاوزه عند اختيار الشخصيَّات القياديَّة لمرحلة زمنيَّة معيَّنة، هو أن تتلاءم تلك الشخصيَّات القياديَّة مع طبيعة المرحلة الوطنيَّة، صفات يكُونُ فيها من يتمُّ اختياره أقدر من الآخرين على الاستجابة للضرورات الاجتماعيَّة والاحتياجات الإنسانيَّة، أقدر على التعاطي مع الوعي المُجتمعي والفكر السائد، خصوصًا بَيْنَ فئة الشَّباب، صفات يُمكِنه من خلالها التعبير الواعي والحُر عن سياق تلك الضرورات والاحتياجات الوطنيَّة لكُلِّ مَن يعيش على تراب هذا الوطن العزيز، ومن هنا نركِّز على أهميَّة الوعي الشامل.
فليس ثمَّة صلاحيَّات مطْلقة للحكومة «تخوِّلها أن تفعل ما تشاء، بل إنَّ عليها أخذ نزعات الناس وأذواقهم بِعَيْنِ الاعتبار، وفي نفس الوقت لا بُدَّ أن يعي المواطنون الضغوطات والتحدِّيات والمشاكل الَّتي تحيط بحكومتهم والَّتي تحدُّ في أحيان كثيرة من قدرتها على خدمتهم بالشكل الَّذي يطمحون إليه أو يأملونه منها. وبمعنى آخر، لا بُدَّ أن يعي الجميع حدود واجباتهم وحقوقهم ومسؤوليَّاتهم تجاه بعضهم بعض، وأنَّه حين يتوافر قدر أكبر من الثقة والتفاهم بَيْنَ الحكومة والشَّعب، وهذا الأمر لا يُمكِن بحال من الأحوال أن يدركه الجميع في كُلِّ مرحلة.
إنَّ وطننا اليوم ليس كما هو بالأمس، فالأحداث المتسارعة في حياة الأُمم والشعوب تدفع باتِّجاه ضرورة أن يواكبها تغيير في الأفكار والإرادات الوطنيَّة، أفكار تتلاءم مع العصر ومتطلبات المُجتمع، وإرادات قادرة على تحقيق تلك الغايات والأفكار والاتجاهات المعاصرة والضرورات الإنسانيَّة الحاضرة، وإلَّا فكما علَّمنا التاريخ بأنَّ ضعف القيادات سيترتب عليه ضعف في القرارات، وهذه الأخيرة سيترتب عليها انفصال المُجتمع عن الحكومة الَّتي تدير شؤون حياته، والأخطر من ذلك أن يدخل الشَّك والريبة في الذهنيَّة المُجتمعيَّة تجاه مصداقيَّة تلك الحكومة.
من زاوية أخرى يُمكِن التأكيد على أنَّ الوصول بالأوطان إلى مرحلة الهدوء والسَّكينة والاستقرار هو نتيجة طبيعيَّة لقناعات الجماهير بالمبادئ والقِيَم والأفكار المفيدة والمتناسبة مع احتياجات المُجتمع، وأكرِّر مع فئة الشَّباب منهم والَّتي تطرحها النخب والقيادات المختارة في مرحلة وطنيَّة محدَّدة. أمَّا إذا انفصلت تلك الأفكار عن المُجتمع فإنَّ النتيجة الطبيعيَّة هي سيطرة الشَّك والريبة وعدم الثقة، بالتَّالي حدوث الاضطراب الاجتماعي.
جانب آخر يَجِبُ أخذه بِعَيْنِ الاعتبار دائمًا عند اختيار القيادات الوطنيَّة الَّتي سيكتب الله لها الثقة السَّامية لعاهل البلاد المُفدَّى ـ حفظه الله ورعاه ويسَّر الله له البطانة الصالحة الَّتي تُعِينه على أمْر دِينه ودنياه وخدمة وطنه ـ خلال مقبل السنوات، أقصد جانب التوزيع الشامل للنّخب المختارة، وأن تشمل جميع المحافظات، ومختلف الكفاءات الوطنيَّة، وإن كان من جانب يَجِبُ أن يؤخذ بِعَيْنِ الاعتبار فهو اختيار تلك القيادات من الشخصيَّات الوطنيَّة الَّتي يشهد تاريخها وأعمالها بثقة المُجتمع بها، وبقربها من المُجتمع والتعاطي الإيجابي مع القضايا الوطنيَّة.
على ضوء ما سبق: نحن لا نتحدث هنا عن أيِّ قيادات وطنيَّة أو أيِّ سياسات حكوميَّة، بل الحديث عن قيادات وطنيَّة مؤهلة وجديرة بالثقة الوطنيَّة والسُّلطانيَّة السَّامية؛ لأنَّها تملك أوَّلًا الضمير الوطني الحي والحُر، وثانيًا الفكر الوطني المستنير، وأخيرَا الإمكانات والإنجازات الشخصيَّة، القادرة على التعاطي مع المرحلة الوطنيَّة والتاريخيَّة بكُلِّ تحوُّلاتها ومتغيِّراتها الحضاريَّة والإنسانيَّة والتنمويَّة، وفي مختلف جوانبها السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وغير ذلك، وسياسات حكوميَّة تحمل بَيْنَ طيَّاتها رؤية ثاقبة للحاضر القائم والمستقبل القادم؛ لأنَّها في الأصل وليدة تلك القيادات الوطنيَّة الَّتي استحقت أن تكُونَ في الزمان والمكان المناسبَيْنِ، فإذا وجدت القيادات المناسبة وجدت معها السياسات المناسبة، والعكس صحيح.
حفظ الله وطننا المجيد من شر الكائد الفاسد الحاسد الحاقد، ويسَّر لعاهل البلاد المُفدَّى (أعزَّه الله) البطانة الصالحة الَّتي تُعِينه على أمْر دِينه ودُنياه وخدمة وطنه، اللَّهُمَّ آمين.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

