صداعك أخطر مما تظن!

5

د. يوسف بن علي الملَّا

كُلُّنا يصاب بالصداع بَيْنَ الفينة والأخرى، وهي رُبَّما من أكثر التجارب الإنسانيَّة سهولةً. فيصيب كُلَّ إنسان في لحظة ما، كذلك الطالب الَّذي يحضِّر نفسه للامتحان، والوالد الَّذي يقود سيارته عائدًا إلى المنزل بعد يوم طويل! ومعظمها يزول بسرعة. لكن بالنسبة للكثير من الناس ـ سبحان الله ـ لا يزول الألم ببساطة، بل يأتي بشكلٍ غير متوقع وغير مرحَّب به. والحقيقة هنا بأنَّ هؤلاء هُم مَن لا يُمثِّل الصداع بالنسبة لهم عرضًا، بل حالة ـ إن استطعت القول ـ تمَّ التقليل من شأنها، وسُوء فهمها، وغالبًا ما تهمل بالقول: إنَّه مجرَّد صداع؟!

وللأسف، فالعيش مع الصداع النصفي أو أيِّ اضطراب لصداع مزمن يعني العيش في ظل احتمال دائم، والخوف من أن يضرب الألم في أيِّ لحظة. أحيانًا تأتي الموجة، كألَمٍ نابض ينبض مع كُلِّ نبضة قلب، يحجب الرؤية ويحوِّل الصوت وضوء الشمس إلى عقاب. فهو واقعيًّا ليس مجرَّد إزعاج، بل إنَّه انقطاع في الوجود. والمؤلم هنا أنَّه يُمكِن لهذا الصداع أو نوباته أن تستمرَّ لساعات أو أيَّام، مخلِّفةً وراءها إرهاقا ورُبَّما خوفًا من أن يرجعَ الصداع، ومع ذلك تظل معاناتهم غير مرئيَّة إلى حدٍّ كبير للعالم الخارجي… فلا أحد يقدِّرهم أو يدرك معاناتهم.

وعلى سبيل المثال، ولعقودٍ طويلة، وُصِف الصداع النصفي بأنَّه اضطراب وعائي، بل مجرَّد حالة تمدُّد في الأوعية الدمويَّة تضغط على الأعصاب. وهكذا بدا هذا منطقيًّا، لكن مع مرور الوقت، بدأ الباحثون يدركون التعقيد الأعمق لِمَا يحدُث داخل الدماغ أثناء الصداع. فهو ليس مجرَّد مُشْكلة في تدفُّق الدم، بل هو عاصفة من النشاط الكهربائي والكيميائي وموجات من الخلايا العصبيَّة المثارة، حتَّى قيل بأنَّ هنالك سلسلة من الجزيئات الَّتي تضخم إشارات الألَم.

ولعلَّ أحَد هذه الجزيئات هو الببتيد المرتبط بجين الكالسيتونين أو ما يُطلق عليه (سي جي آر بي). ففي عام 2021، أجرى تحليل شامل نشر في مجلة الصداع والألَم فحصًا لآلاف مرضى الصداع النصفي الَّذين عولجوا بأجسام مضادَّة لهذه الجزيئات، ووجدوا أنَّ أكثر من نصفهم شهدوا انخفاضًا بنسبة خمسين بالمئة على الأقل في نوباتهم الشهريَّة. وبلا شك، تُعَدُّ ثورةً وتخفيفًا على أولئك المرضى في هذا العَقد.

ومع ذلك كُلِّه، فإنَّ قصَّة علاج الصداع ـ وللأسف الشديد ـ لا تقتصر على الكيمياء فحسب، بل تتعلق بالإنسانيَّة. لقد لاحظتُ ولعلَّ الكثير منَّا أدركَ أنَّه لا يزال الكثير من المرضى يواجهون التشكيك، حتَّى من الأطباء. ولأنَّ الصداع لا يترك ندوبًا ظاهرة، فإنَّ مَن يعانون منه يتعرضون أحيانًا للشَّك أو الازدراء. وبشكلٍ عام تعرَّضتِ النساء، وهُنَّ غالبيَّة مرضى الصداع النصفي، للتجاهل على مرِّ التاريخ، حيثُ نُسب ألمهنَّ إلى الأعصاب أو الهرمونات بدلًا من خلل عصبي حقيقي. والنتيجة جيل من الناس يتحملون في صمت، خوفًا من أن يوصفوا بالدراماتيكيَّة أو أنَّهم هشُّون. ومع ذلك، فإنَّ الشجاعة اللازمة للتعايش مع الألم غير المرئي ليست هشَّة على الإطلاق!

في وقت ما رأينا كيف يُمكِن للصداع المزمن أن يُعِيدَ تشكيل هُوِيَّة الشخص. فذلك المريض يتحدث عن إلغاء رحلاته، وانسحابه من الحياة الاجتماعيَّة. حتَّى أحيانًا أولئك المرضى يصفون العيش في حالة تأهب، ويحسبون الساعات منذ آخر نوبة، ويعدلون وجبات الطعام، والتعرض للضوء لتجنُّب إثارة نوبة أخرى. وكأنَّهم ـ إن صحَّ القول ـ أصبحوا خبراء في معاناتهم.

بطبيعة الحال، أضحى الآن التصوير العصبي يتيح مراقبة الصداع النصفي أثناء تطوُّره، فيبيِّن أنماط النشاط في مناطق معالجة الألم في الدماغ. بل ودخلت الأجهزة الَّتي تستخدم نبضات كهربائيَّة أو مغناطيسيَّة خفيفة لتهدئة الأعصاب المفرطة النشاط إلى المستشفيات في معظم الدول.

ختامًا، مع قصَّة الصداع لعلَّنا أدركنا بأنَّ الألم الَّذي لا يُرى لا يزال حقيقيًّا. وبالتَّالي يَجِبُ أخذ الصداع على محمل الجدِّ؛ لأنَّه فعلًا تأكيد لإيماننا بمعاناة الآخرين وفهمهم. حتَّى أنَّه في المرَّة القادمة الَّتي يخبرك فيها أحدهم أنَّه يُعاني من صداع، توقف قَبل أن تتجاهله!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

التعليقات معطلة.