طقوس قدماء المصريين لا تزال حاضرة في رمضان؟

5

صورة تعبيرية مبتكرة بالذكاء الاصطناعي. (النهار العربي)

لا ينسلخ شعب عن ثقافته القديمة تماماً، حتى لو مرت عليها آلاف السنوات وتبدلت العصور والحضارات التي عاش في ظلها، ويتفاوت تأثير كل منها بحسب اتساقه مع طبيعة هذا الشعب، ومدى تقبله لها، لكن الحضارة الأولى، ربما يكون تأثيرها عميقاً أكثر مما يخطر بالبال.

هذا ينطبق بشكل بالغ الوضوح على المصريين، الذين تنقلوا على مر التاريخ عبر عصور عدة، بداية من عهد قدماء المصريين، إلى حكم الإغريق، والرومان، ثم العصرين القبطي والإسلامي.

ورغم تأثير كافة تلك الحضارات بدرجات متباينة، خصوصاً الحضارتين الإسلامية والقبطية على حياة المصريين المعاصرين، إلا أن حضارتهم الأقدم ظلت تترك بصمتها الخاصة على كل عصر جديد، واستمر الأمر على هذا النحو حتى يومنا هذا.

حلقات متواصلة

ويقول كبير الأثريين في وزارة السياحة والآثار المصرية الدكتور مجدي شاكر لـ”النهار العربي”: “قد تتعجب حين تكتشف أن الكثير مما يفعله المصريون اليوم، كان يفعله أجدادهم قبل آلاف السنين. الكثير من العادات والتقاليد وأصناف الطعام، وكل هذا ظل يتنقل معهم من جيل إلى جيل، ومن طقوسهم الدينية القديمة، ثم إلى المسيحية والإسلام”.

الدكتور مجدي شاكر 

وتخبرنا البرديات، والألواح الحجرية والجدران المنقوشة، وكذلك المقابر المصرية القديمة بالكثير عن أمور صاحبت هذا الشعب عبر رحلته الممتدة لآلاف السنين، إلى حد أن بعضاً منها امتزج بالثقافة العربية الإسلامية، وبات ينظر له على أنه جزء أصيل منها، أو على أقل تقدير ساهم في تقبل المصريين لنظيره الذي استحدثه دخول العرب إلى مصر ونشرهم للإسلام.

وثمة دراسات اجتماعية انثروبولوجية تفيد بأن عوامل عدة تلعب دوراً محورياً في تناقل العادات والتقاليد، وبعض مفردات اللغة، وكذلك الطقوس الدينية أو الشعبية، إضافة إلى المأكولات وطريقة تحضيرها، من حضارة لأخرى، داخل البلد ذاته. ومن تلك العوامل: التنشئة الاجتماعية، والتواصل بين أفراد الأسرة والمجتمع، والفنون، والطقوس الدينية.

صيام وتطهر

الصيام من بزوغ الشمس وحتى الغروب هو طقس إسلامي لا ريب فيه، لكنه كذلك كان طقساً دينياً في عهد قدماء المصريين، ويوضح شاكر: “في عصر أجدادنا القدماء، كان الكهنة فقط هم من يصومون، طلباً للتطهر والسمو، وكانوا يمتنعون عن تناول الطعام وممارسة الجنس”.

اعتاد الكهنة في المعابد على الصيام والامتناع عن الطعام والجنس

ويضيف كبير الأثريين: “كان اليوم لدى المصري القديم يتكون من 12 ساعة فحسب، وهي ساعات النهار، أما ساعات الليل فكانوا ينظرون إليها على أنها ساعات الظلمة، والوقت الذي ينزل فيه “رع” تحت الأرض”.

في الديانتين الإسلامية والمسيحية اللتين تعتنقهما النسبة الغالبة من المصريين (على التوالي)، يصوم الجميع، وليس رجال الدين فحسب، لكن الخبير الأثري يرى في ذلك اتساقاً جلياً مع اهتمام المصريين منذ فجر تاريخهم بالتدين، وعبادة الخالق، وكذلك إيمانهم بالبعث والحساب في الآخرة، وكل هذه قيم جاءت بها المسيحية والإسلام بصيغ مغايرة نسبياً، ما سهل تقبل الناس لها.

طقوس متشابهة

في مقدمة كتابه “تاريخ مصر القديمة” يقول عالم المصريات الفرنسي نيكولاس جريمال: “لقد حافظت بعض المعابد أحيانا على طابعها كأماكن مقدسة. وكأنما النزعة التوفيقية الدينية المتأصلة لدى السلف قد تركت بصمتها عند الخلف، فأبقوا على هذه الأحرام المقدسة وحافظوا عليها، فأمدتنا بما يشبه ما يقدمه لنا علم طبقات الأرض على امتداد آلاف السنين”. 

ويشير عالم المصريات الفرنسي إلى معبد الأقصر، ومسجد أبي الحجاج الشهير، ويقول: “لقد كان هذا المكان على التوالي مسرحاً للغزو الأشوري، والفارسي، والإغريقي، والروماني. كما ضم معسكراً حربياً، وأقيمت فيه شتى الشعائر الدينية في عصر الإمبراطورية، ثم الشعائر المسيحية والإسلامية”.

ومن المعروف أن المصريين في الأقصر يحتلفون بمولد “أبي الحجاج” الذي يعتقدون أنه من أولياء الله الصالحين، بموكب يشبه موكب “عيد الأوبت”، الذي ينقل فيه “آلهة طيبة” من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر، مرورا بطريق الكباش، وهو الطريق الأثري الذي أعادت مصر إحياءه وافتتاحه قبل نحو 3 أعوام.

الاحتفال بالمأكولات

ثمة عدد من المأكولات التي ترتبط في أذهان المصريين بشهر رمضان، ومنها القطائف، والفواكه المجففة (الياميش)، والتمر، وكل تلك الأكلات وغيرها كان موجوداً لدى قدماء المصريين. وفي العصر الحالي، ومع دخول شهر رمضان، تنتشر هذه المؤكلات وتعرضها المحلات في الشوارع، ويقبل بعض المصريين على شرائها رغم ارتفاع أسعارها.

يعد الاحتفال بالطعام والحلويات من الطقوس المصرية القديمة التي استمرت حتى اليوم

ويشير الخبير الأثري إلى أن “فكرة الاحتفال بالطعام والحلويات، كانت من السمات المميزة للحضارة المصرية القديمة، حيث كان الناس يعبّرون عن فرحتهم من خلال تناول أنواع عدة من الأطعمة والحلويات، ومنها على سبيل المثال ما نسميه اليوم القطائف، وبدلا من استخدام السكر كانوا يضعون العسل”.

وربما يحتل الفول المدمس مكانة خاصة، فهو من المأكولات الأساسية في أغلب موائد السحور الرمضانية، وتنتشر مطاعمه وعرباته في الشوارع في المساء.

ويقول شاكر: “كان الفول المدمس، أو كما كان يسميه قدماء المصريين “المتمس” معروفاً في الماضي، وكانوا أيضاً يأكلون صنفاً يسمونه الفول المطمور، وكذلك البصارة، وهي أكلة مصرية شهيرة في عصرنا الحالي، وهي مصنوعة من الفول المدشوش والبصل والخضروات”.

فول مدمس

الجبن القريش كذلك من أنواع الجبن الصحية، وكانت معروفة في عهد القدماء، ويقول عنها الخبير الأثري: “لقد وجدناها موجودة في بعض الأواني في الاكتشافات الأثرية التي توصلنا إليها، وكانوا يحضرون قطعة قماش، ويضعون فها اللبن بعد تخثره”.

ويشكل الخبز مكوناً رئيسياً على المائدة المصرية، منذ القدم، ويلفت كبير الأثريين إلى أنه “المتحف الزراعي في مصر، به أكثر من 40 نوعاً من العيش (الخبز)، التي كان يستهلكها المصريون، ويصنعونها بطرق مختلفة”.

وفي فترات الرخاء الاقتصادي، وعلى نطاق أقل حالياً، نظراً لارتفاع الأسعار، تنتشر “موائد الرحمن” في الشوارع، وتقدم الطعام المجاني للصائمين والفقراء، وحتى هذا التقليد، له جذور لدى قدماء المصريين.

ويقول شاكر: “كانت المعابد المصرية القديمة، أكثر من مجرد مكان للعبادة، فقد كانت لها أدوار اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وكانت القرابين تقدم بسخاء للآلهة، ويتناول الكهنة جزءاً منها، لكن الكثير منها يفيض عن حاجتهم، لذا كانوا يقدمون وجبات طعام مجانية للفقراء، بصورة تشبه إلى حد كبير “موائد الرحمن” التي نعرفها حالياً”.

التعليقات معطلة.