في مؤتمر دافوس انكشفت العلاقات الأمريكية – الكندية في ظل طقس عاصف، ودرجات حرارة تحت الصفر، كما هو الطقس الآن في مناطق أمريكا الشمالية، وتبين أن سماكة الثلج بلغت حداً يصعب جرفه بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء كندا مارك كارني، على خلفية مواقف متضاربة من مسألة غرينلاند، إضافة إلى مطالبة الرئيس الأمريكي بكندا على أن تكون الولاية الـ51، ومجمل السياسات الأمريكية الدولية التي جعلت النظام العالمي القائم على القواعد «يتصدع»، كما أعلن كارني خلال مؤتمر دافوس، إضافة إلى قوله بأننا «نحتاج إلى إدراك أن واقعاً جديداً قد بدأ، وأن الامتثال لن يحمي كندا من عدوان القوى الكبرى».
هذا الكلام نزل على ترامب ثقيلاً وقاسياً، لأنه صدر عن جار له حدود معه بطول 8.891 كيلومتراً، وتربطه علاقات تجارية واقتصادية حيوية، إضافة إلى روابط أمنية، أهمها العضوية المشتركة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لذلك بادر إلى «معاقبة» كارني بأن أعلن سحب الدعوة التي وجهها إليه سابقاً بالانضمام إلى «مجلس السلام». وكان ترامب قد أعلن في منتدى دافوس أن «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة»، وهو الأمر الذي استفز كارني، إذ أعلن في مدينة كيبيك خلال بدء الدورة التشريعية الجديدة «كندا لا تعيش بفضل الولايات المتحدة.. كندا تزدهر لأننا كنديون».
حاول رئيس الوزراء الكندي رتق العلاقة مع ترامب، فقام بزيارته في مايو(أيار) الماضي في البيت الأبيض، لكن الرئيس الأمريكي لم يُبد أي تراجع عن مواقفه، ما استدعى كارني لأن يعلن أن «كندا ليست للبيع»، وردّ ترامب قائلاً: «الوقت كفيل بإثبات ذلك».
وعمد الرئيس الأمريكي، يوم أمس الأول، إلى تصعيد الموقف مع كندا، فوجّه تحذيراً برفع التعرفة الجمركية بنسبة 100% على جميع البضائع الواردة عبر الحدود الكندية في حال أبرمت اتفاقاً تجارياً مع الصين، وقال: «إذا كان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يعتقد أنه سيجعل كندا منفذاً لتصدير البضائع والمنتجات الصينية إلى الولايات المتحدة فهو مخطئ».
هذا كلام يعني أن ترامب يهدد بحرب تجارية مفتوحة على جارته، لأنها تخرج على طاعته، وتسعى لتنويع علاقاتها التجارية مع الدول الأخرى، والتخلص من الهيمنة السياسية والاقتصادية الأمريكية، إذ سبق أن قام رئيس الوزراء الكندي بزيارة الصين خلال الأسبوع الماضي واجتمع مع الزعيم الصيني شي جين بينغ، حيث أبرما اتفاقاً تجارياً أولياً لكنه «تاريخي» بهدف خفض الرسوم الجمركية وتعزيز التعاون بين البلدين، وكشف كارني أن الصين ستتيح للسياح الكنديين دخول أراضيها من دون الحاجة للحصول على تأشيرة، مشدداً على أن هذه الخطوة ستعزز الروابط بين البلدين، وأكد أن كندا والصين تعملان على بناء شراكة استراتيجية جديدة، داعياً إلى تأسيس علاقة «متوافقة مع الواقع العالمي الجديد».
يذكر أن كارني وشي كانا قد التقيا العام الماضي على هامش المؤتمر الاقتصادي الإقليمي في كوريا الجنوبية، وقررا فتح فصل جديد في العلاقات بين بلديهما.
إن التوجه الكندي نحو بكين وإقامة شراكة استراتيجية معها، يعدّ بالنسبة لترامب طعنة في الظهر لن يتسامح تجاهها، ولن يغفر لكارني ما يراه أنه تجاوز «الخطوط الحمر».

