عندما تُختطف العقيدة: من بناء الإنسان إلى تدمير الأوطان

5

 

حينما تتحول العقيدة من بوصلةٍ أخلاقية تهدي الإنسان، إلى أداةٍ صلبة تُساق بها الشعوب نحو الخراب، فإن الخطر لا يكمن في العقيدة نفسها، بل في “تسييسها” واحتكار تفسيرها وتحويلها إلى سلاح. فالعقائد بطبيعتها وُجدت لترتّب علاقة الإنسان بذاته وبالآخر، وليس لتكون ذريعة لإقصائه أو سحقه.

المشكلة تبدأ حين يُختزل الوطن في فكرة، ويُختزل الإنسان في انتماء، وتُختزل الحقيقة في صوتٍ واحد. عندها تتحول العقائدية إلى جدارٍ مغلق، لا يرى ما وراءه، ولا يسمح بمرور الضوء إليه. ومن هنا تبدأ رحلة الخراب صراع لا ينتهي، كراهية تتغذى على نفسها، ودول تُدار بعقلية الجماعة لا بمنطق الدولة.

لكن السؤال الأهم: ما العمل؟

أولًا، لا بد من إعادة العقيدة إلى مكانها الطبيعي، إلى فضاء الإيمان الشخصي والقيم الإنسانية، وليس منصة للصراع السياسي. فالدولة لا تُبنى على الإيمان المتشدد، بل على التعاقد المشترك بين مواطنيها، مهما اختلفت معتقداتهم.

ثانيا، المواجهة لا تكون بعقيدةٍ مضادة، بل بعقل الناقد. فالتطرف لا يُهزم بتطرفٍ آخر، بل بثقافة تُعلّم الإنسان كيف يسأل، وليس بماذا يعتقد فقط. التعليم هنا شرطا اساسيا بل هو خط الدفاع الأول. كلما ارتفع وعي الفرد، تراجعت قدرة أي جهة على استغلاله باسم “المقدس” .

ثالثا، لا بد من بناء هوية وطنية تتقدم على كل الهويات الفرعية. هوية لا تلغي التنوع، بل تنظمه تحت سقف الدولة. حين يشعر الفرد أن كرامته مصانة كمواطن، لن يحتاج أن يحتمي بعقيدة مسيّسة أو جماعة مغلقة.

رابعا، كشف خطاب التلاعب. فالقوى التي تستخدم العقائد لتدمير الشعوب غالبا ما تتغذى على الجهل والخوف. وهي تطرح نفسها كحاميةٍ للقيم، بينما تمارس عكسها. فضح هذا التناقض، إعلاميا وثقافيًا، هو الخطوة ألاساسية في كسر هيبتها.

وأخيرا لا بد من التمييز بين “الإيمان” و”الاستغلال” . الإيمان يحرّر الإنسان، أما استغلاله فيستعبده. الإيمان يبني، والاستغلال يهدم. وبينهما تقف مسؤولية الفرد والمجتمع في اختيار الطريق.

إن أخطر ما في العقائدية المتطرفة أنها لا تُعلن نفسها كخراب، بل كخلاص. ولهذا فإن مواجهتها تبدأ بالوعي، وتترسخ بالشجاعة، وتنتصر حين يُدرك الناس أن أوطانهم أكبر من أي فكرة، وأن الإنسان أغلى من أي شعار.

في النهاية، ليست المعركة ضد العقائد، بل ضد من يحوّلها إلى قيود كراهية بين المجتمع الواحد . وليست الغاية إلغاء الاختلاف، بل منعه من أن يتحول إلى سلاح قاتل بين ابناء الوطن الواحد . فحين ينتصر الوعي، تخسر الفوضى مقاصدها وحين يستعيد الإنسان إنسانيته، تستعيد الأوطان عافيتها.

التعليقات معطلة.