غزة حقل تجارب للنوايا الدولية

3

عبد اللطيف المناوي – المصري اليوم

كما ذكرنا أمس، فإن الاتحاد الأوروبي يمثّل «الحضور الغائب»، ويعاني مأزقاً صامتاً في محاولات إدارة غزة، بوصفها قطاعاً وأزمة في آن واحد.

في قلب هذا المشهد، يقف الاتحاد الأوروبي في ورطة حقيقية، فمن جهة، لا يستطيع معارضة المسار الأمريكي علناً، ولا الدخول في مواجهة مفتوحة مع ترامب في ملف شديد الحساسية. ومن جهة أخرى، يدرك أن ترك غزة تُدار بالكامل وفق منطق أمريكي-إقليمي قد يهمّش الدور الأوروبي، ويعيد تشكيل شرق المتوسط من دون مشاركة بروكسل.

تبدو الاستراتيجية الأوروبية، حتى الآن، قائمة على «الدعم الصامت»: تمويل، ومساعدات، وغطاء إنساني، من دون اشتباك سياسي مباشر. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر واضحة، فغياب موقف أوروبي صلب قد يترك فراغاً سياسياً تملؤه الترتيبات المؤقتة، ما يجعل أوروبا شريكاً في إدارة الأزمة، لا في حلّها.

أمّا اللجنة الفلسطينية، فإنها تواجه مصيراً يتأرجح بين الواقعية والقيود. فإعلان اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، ومحاولة تقديمها كجسم فلسطيني تكنوقراطي مستقل، يمثّل محاولة لكسر ثنائية «حماس أو الاحتلال». غير أن نجاح هذه اللجنة يبقى مرهوناً بثلاثة شروط صعبة، هي: استمرار وقف إطلاق النار، وفتح المعابر، ومنحها سلطة حقيقية لا شكلية.

الخطاب الفلسطيني الرسمي ركّز على إعادة الإعمار، والتعليم، والعلاج، وفرص العمل، وهي أولويات إنسانية لا خلاف عليها. غير أن التجربة التاريخية في غزة تقول إن أي إدارة مدنية بلا أفق سياسي، وبلا ضمانات أمنية دولية، ستظل هشّة وقابلة للانهيار عند أول تصعيد.

الانطباع العام أن تشكيل اللجنة التنفيذية ومجلس السلام ليس وهماً كاملاً، لكنه أيضاً ليس اختراقاً استراتيجياً. هو خطوة إلى الأمام على مستوى إدارة الكارثة، لكنه لا يكسر الدائرة المغلقة للصراع: الاحتلال، وغياب الحل السياسي، والانقسام الفلسطيني.

ترامب لا يسعى إلى حل جذري، بل إلى «استقرار قابل للإدارة». وإسرائيل لا تريد إدارة دولية، بل سيطرة كاملة. بينما يريد الفلسطينيون حياة طبيعية، دون أن يكونوا مجرّد ملف إنساني دائم. وبين هذه المسارات المتقاطعة، تتحرّك غزة مرة أخرى كحقل تجارب للنوايا الدولية.

لم يعد السؤال الحقيقي: من يدير غزة؟ بل: هل تُدار غزة إلى حين، أم تُفتح الطريق أخيراً لكسر الحلقة التي تعيد إنتاج الحرب كل بضع سنوات؟

حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أننا ما زلنا داخل الدائرة، لكن هذه المرة بجدران أكثر نعومة، وأسماء أكثر بريقاً.

كل ما نراه يؤكد أن ما يحدث هو إدارة انتقالية مُحكمة أكثر منه حلاً نهائياً. قد تنجح في تثبيت وقف النار، وتنظيم الإغاثة، وبدء إعمار مضبوط، وربما تفكيك بعض مصادر العنف، لكنها لن تتحوّل إلى سلام، على الأقل في المستقبل المنظور.

التعليقات معطلة.