غضب سعودي في وداع 2025

7







زوايا

معن البياري


لنبقّ البحصة، في السطر الأول هنا، أن غضب الرياض من أبوظبي بشأن اليمن، والمُعلن الثلاثاء الماضي، تأخّر، طويلاً بعض الشيء. ذلك أن ما يمكن اعتبارُه، بلا تحفّظ، تمادياً إماراتيّاً في دعمٍ تسليحيٍّ وسياسيٍّ وإعلاميٍّ لانفصاليين في جنوب اليمن، ذهب إلى ما لم يعُد كظم الغيظ بصدَدِه سياسة صائبة. وذلكم بيان الخارجية السعودية، صباحاً، يُشهرها، صراحةً، أن المملكة لن تتردّد في اتخاذ كل الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهة أي “مساسٍ” أو “تهديدٍ” لأمنها الوطني وتحييده، ويصف البيان سلوكاً للإمارات هناك بأنه يعدُّ “تهديداً للأمن الوطني للمملكة”، الأمر الذي شدّد عليه بيان مجلس الوزراء مساءً. وتعني هذه اللغة، من بين كثيرٍ تعنيه، وهي ربما غير مسبوقةٍ من دولةٍ خليجيةٍ تجاه أخرى، أن ثمّة طبقاتٍ من أسبابٍ تراكمت، وأوصلت العلاقة بين أبوظبي والرياض إلى هذه المنزلة من التوتّر. وربما تعني أيضاً أن ثمّة صحّةً لما سرّبته “وول ستريت جورنال”، في يوليو/ تموز 2023، عن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أنّه سارَرَ صحافيين سعوديين أن “الإمارات طعنت المملكة في الظهر”. واسترسلت الصحيفة في سرد أسباب تلك “المكاشفة” النادرة، ومنها أن “تباين المصالح بين الإمارات والسعودية في اليمن، أثّر على الجهود المبذولة لوقف النزاع فيه”، وهذا تحليلٌ لا حاجة لنا، نحن المعلقين العرب، الأقرب إلى الحدث وتفاصيله، إلى الصحيفة النيويوركية المعروفة لتُخبرنا به، وإنْ في الوسع أن نتسلّح بأنها كتبتْه قبل أكثر من عاميْن شاهداً على صحّة القول أعلاه، إن الغضب السعودي الراهن تأخّر.

أمّا وأن مُختتم العام المنصرف 2025 شهد هذه الغضبة السعودية، المتبوعة بتحرّكٍ عسكريٍّ ونيّةٍ للتصعيد ضد أي وجودٍ لمليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي (الانغصالي) في المهرة وحضرموت، فالمنتظر، أو المرغوب على الأصح، أن يعرف العام الذي صِرنا فيه اندفاعةً سعوديةُ، تُوازيها مثيلةٌ لها مصرية، باتجاه أكثر من مسألةٍ عربية، فأنْ يطلب ولي العهد، بن سلمان، من ترامب جهداً أميركياً لإنهاء الحرب الأهلية الشرسة في السودان، أمرٌ له قيمتُه السياسية، يُؤمَل أن يُتبَع في 2026 بجهدٍ سعوديٍّ مصريٍّ نشط وحاسم، تجاه كل القوى التي تُساند مليشيا المتمرّدين بقيادة حميدتي. ولمّا كانت الرياض قد بذلت جُهداً محموداً، في استضافتها محادثاتٍ سودانيةً مع طرفي الاقتتال، وبإنشائها منبر جدّة للوصول إلى تفاهماتٍ وتهدئاتٍ، فإن تمادي المليشيا المذكورة في جرائمها، وهي المسنودة، بحسب تقارير للأمم المتحدة، بدعم إماراتيٍّ مكشوفٍ، يستدعي انخراطاً سعوديّاً أعرض في هذا الملف، من بالغ البداهة أن يتقدّمه انخراطٌ مصريٌّ أقوى، يُصارح أبوظبي بأن هذا الدعم “يمسّ” الأمن القومي المصري، إذا ما استدعيْنا شيئاً من لغة بياني الرياض الثلاثاء الماضي بشأن شرق اليمن.

ليس الموضوع السوداني وحدَه ما يسوّغ إلحاحاً منّا، نحن المواطنين العرب، على فاعليّةٍ سعوديةٍ مصرية أخرى، فثمّة الانقسامان المنظوران في ليبيا والصومال، وثمّة ما يتهدّد سورية من مخاطر انفصال واحتكاكاتٍ حرجة. ويُقال هذا مع التسليم بأن لكل دولةٍ حساباتِها، وتقديراتِها المواقف أمامها. ولئن يحسُن تثمين استجابة أبوظبي السريعة لمطلب الرياض منها الانسحاب الكامل من اليمن في 24 ساعة، والحفاظ على ما يُبقي العلاقات بين الدولتين الشقيقتين طيّبة، فإن الحضور الإماراتي في بعض مطارح المنازعات الأهلية في غير بلدٍ عربيٍّ لا تأتي عليه فقط بعضُ الصحافات العربية والأجنبية، وإنما تؤكّده أيضاً تقارير ميدانيةٌ ودوليةٌ موثوقة. ما يعني، في الأول والأخير، أن يُصار إلى مكاشفةٍ سعوديةٍ، أو خليجية أوسع، بموازاة أخرى مصريةٍ، مع أبو ظبي، لتطويق كل هذه الدحرجة المُقلقة في أكثر من بلد عربي إلى التفتت والتقسيم أو ترسيخ المنازعات الأهلية، بوجود أصابع إسرائيلية لم تعد ثمّة عتمةٌ تحجبُها، فواقعة الاعتراف إيّاه بما سمّيت جمهورية أرض الصومال كما البعرة تدلّ على البعير وكما الأثر يدلّ على المسير.

في كل الأحوال، لنراها واعدةً ومبشّرةً الغضبةَ السعوديةً من أبوظبي في اليمن في مختتم عامٍ مُربِك. والمشتهى في عامٍ استجدّ، لا ملامح مُطمئنة تماماً فيه، أن يُرى ما بعدَها ليس كما قبلها.

التعليقات معطلة.