في عالمٍ يركض بلا توقف، لا تموت المآسي….. لكنها تُدفن تحت ركام الضجيج.

3

الحرب الحالية أنست العالم غزة….. حين تُطفئ الضوضاء صوت الألم

 

 

هكذا اختفت غزة، لا لأنها شُفيت، ولا لأن جراحها التأمت، بل لأن صخبًا أعنف ارتفع فوق أنينها، فاختنق الصوت، وغابت الصورة، وتراجع الوجع إلى الهامش.

كانت غزة لحظة إنسانية جارحة، لحظة كشفت الوجه الحقيقي لعالمٍ يتقن المشاهدة أكثر مما يتقن الفعل. رأى الجميع، تألموا، صرخوا، ثم صمتوا. ومع أول انفجارٍ أكبر في الإقليم، انصرفوا. كأن الألم له مدة صلاحية، وكأن الدم إذا طال نزفه يفقد قيمته في نشرات الأخبار.

لم يتغير شيء في غزة،

الركام ما زال ركامًا،

والفقد ما زال فقدًا،

والأمهات ما زلن ينتظرن ما لا يعود.

لكن الذي تغيّر هو العالم.

استدار ببساطة نحو معركةٍ أكبر، نحو خرائط جديدة، نحو حسابات قوة ونفوذ، وترك خلفه حكاية إنسانية لم تكتمل.

في زحام السياسة، تُدهس المشاعر.

تتحول المآسي إلى أرقام، والضحايا إلى عناوين قديمة، والصور التي كانت تهزّ الضمير، تصبح “أرشيفًا”.

وهنا تكمن القسوة الحقيقية،

ليس في الحرب فقط، بل في القدرة على النسيان.

غزة اليوم ليست غائبة تمامًا

هي موجودة، لكن كظلٍ باهت.

تُذكر في التصريحات، وتُستدعى في الخطابات، لكنها غائبة عن الفعل، عن القرار، عن الاهتمام الحقيقي.

وكأنها حاضرة لتبرئة الضمير ، لا لإنقاذ الإنسان.

إنها المأساة حين تُقتل مرتين،

مرة بالقصف،

ومرة بالتجاهل.

الحرب الجديدة لم تُنهِ قصة غزة، لكنها سرقتها من الواجهة، وضعتها في زاوية بعيدة، ووسمتها بعبارة باردة: “أزمة مؤجلة”.

لكن الأوجاع المؤجلة لا تختفي ، بل تتخمر في الصمت، وتعود يومًا أشد قسوة، وأكثر وجعًا.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بغزة وحدها،

بل بعالمٍ يختار ما يتذكر ، وما ينسى.

عالمٍ قد يُطفئ ذاكرته، فقط لأن حريقًا آخر اشتعل في مكانٍ أقرب إلى مصالحه.

وهنا، يبقى السؤال موجعًا كما هو.

هل انتهت مأساة غزة فعلًا ،

أم أن العالم هو من أدار وجهه، كي لا يراها؟

كي لا أُكمل ما بعدها،

كي لا أُكمل ما بعدها،

أُسكت قلبي قليلًا،

فالكلمات حين تقترب من الحقيقة أكثر مما ينبغي ، تصبح موجعة حدّ الانكسار.

كي لا أُكمل،

أتظاهر أن الحكاية انتهت،

أن الركام صار ذاكرة،

وأن الأسماء التي غابت… وجدت طريقها إلى النسيان.

لكن الحقيقة أثقل من كل هذا الادّعاء.

كي لا أُكمل،

أغضّ الطرف عن وجوهٍ ما زالت تنتظر،

عن دموعٍ لم تجف،

عن مدينةٍ تُكتب قصتها كل يومٍ بالوجع… ثم تُمحى من ذاكرة العالم في اليوم التالي.

كي لا أُكمل،

أقنع نفسي أن الصمت أرحم،

وأن الحديث لن يغيّر شيئًا،

وأن العالم الذي لم يتحرك حين كان الألم في ذروته، لن يتحرك الآن.

لكن الصمت خيانة من نوع آخر.

كي لا أُكمل،

أهرب من السؤال الذي يطاردني،

كم من المآسي يجب أن تحدث…

كي يتوقف هذا العالم عن النسيان؟

وكي لا أُكمل…

أترك النهاية معلّقة،

لأن بعض القصص لا تُكتب نهايتها،

بل تُترك مفتوحة…

كجرحٍ لا يريد أحد أن يراه يلتئم .

التعليقات معطلة.