لم يكن اعتراف دونالد ترامب بخطأ السياسة الأميركية في العراق، وما ترتب عليه من تمدد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، زلّة لسان ولا مراجعة متأخرة، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة، تحمل بين سطورها أكثر مما تعلنه عباراتها المباشرة.
في السياسة الأميركية، الاعتراف بالخطأ لا يأتي غالباً بدافع الندم، بل بوصفه تمهيداً لقطيعة مع مرحلة سابقة وبناء شرعية لمرحلة جديدة. وترامب، بخبرته الشعبوية وقراءته العميقة لمزاج الداخل الأميركي، يدرك أن تحميل الإدارات السابقة مسؤولية “ضياع العراق” يمنحه ورقة قوية لإعادة طرح نفسه بوصفه رجل التصحيح لا رجل التبرير .
الاعتراف كأداة لا كاعتذار
ترامب لم يقل إن الولايات المتحدة أخطأت فحسب، بل قال ضمنياً إن هذا الخطأ سمح لإيران بأن تصبح اللاعب الأوسع نفوذاً في الشرق الاوسط. هذا الربط ليس بريئاً؛ فهو ينقل النقاش من فشل تكتيكي في العراق إلى خلل استراتيجي في موازين الشرق الأوسط. وبهذا، يصبح “تصحيح الخطأ” بات مبرراً لأي سياسة أكثر صرامة قادمة.
الرسالة الأهم: إلى من وجّه الكلام؟
على عكس ما قد يبدو، فإن الخطاب لم يكن موجهاً لطهران وحدها، بل إلى:
النخب العراقية التي تعايشت مع واقع الدولة المختطفة
حلفاء واشنطن في المنطقة الذين سئموا سياسة إدارة النفوذ الإيراني لا كبحه ،
والرأي العام الأميركي الذي يرفض تكرار حروب بلا نتائج
ترامب يقول لهم جميعاً: ما جرى كان خطأ، وما سيأتي سيكون مختلفاً.
نهاية معادلة “إدارة النفوذ”
الاعتراف يعني أن مرحلة التسامح الضمني مع تمدد إيران تحت عناوين التوازن أو الواقعية السياسية لم تعد صالحة. والحديث لم يعد عن احتواء طهران، بل عن تفكيك البيئة التي سمحت لها بالتمدد، وفي مقدمتها العراق بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر حساسية .
العراق في قلب المعادلة الجديدة
الأخطر في الاعتراف أنه يضع العراق أمام اختبار حاسم:
إما أن يُعاد تعريفه كدولة ذات قرار وطني مستقل،
أو يُثبت في العقل الأميركي بوصفه ساحة نفوذ إيراني، لا شريكاً استراتيجياً.
وفي السياسة الدولية، الفارق بين “الدولة” و”الساحة” هو الفارق بين الحماية والتجاهل.
خلاصة المشهد
اعتراف ترامب ليس قراءة للماضي، بل إعلان نوايا للمستقبل.
هو إشارة إلى أن معادلة ما بعد 2003 شارفت على نهايتها، وأن الشرق الأوسط يقف على أعتاب إعادة ضبط قاسية، قد لا تمنح المترددين فرصة ثانية.
ومن لا يستثمر لحظة الاعتراف اليوم، قد يدفع ثمنها غداً.

