عائشة سلطان تتبع وقائع الفقد وغياب الأمان والكوارث
لنا عبد الرحمن
لوحة للرسامة علياء الجريدي (صفحة الرسامة – فيسبوك)
ملخص
لا تنطلق مجموعة “خوف بارد” الصادرة عن بيت الحكمة (القاهرة) للكاتبة عائشة سلطان من الخوف، بوصفه عنصراً درامياً عابراً أو ذروة تُبنى عليها الحبكة فحسب، بل تتعامل معه كحالة وجودية كامنة، تحضر في خلفية الحياة اليومية وتتشابك مع تفاصيلها.
الخوف في المجموعة القصصية ليس حدثاً استثنائياً أو صدمة محددة بل شعور ممتد منخفض الوتيرة يتسلل إلى الوعي ببطء حتى يغدو جزءاً من نسيج العيش نفسه، وهو ما يلتقي بدقة مع دلالة العنوان الذي يحيل إلى خوف بلا انفجار أو صخب، خوف بارد ومستقر. هذا النوع من الخوف لا يأتي من تهديد مباشر، بل من التراكم اليومي: الأخبار والذكريات والكوارث الطبيعية والفقد وهشاشة الأمان، وانكشاف الإنسان أمام قوى أكبر منه.
في القصة الأولى “طعم البرتقال” لا يحدث شيء استثنائي في الظاهر، امرأة تقرأ الصحيفة، تعد القهوة، تتأمل صور العالم، وتربط الحياة اليومية بذاكرة كارثة قديمة لم تغلق، إذ لا تنطلق القصة من قراءة الصحيفة بوصفها عادة صباحية عابرة، بل بوصفها فعلاً يستدعي تجربة نجاة شخصية شكلت وعي البطلة منذ شبابها، حين نجت وحدها من إعصار أودى بحياة أهلها جميعاً. من هذا الجرح المؤسس، تصبح أخبار الكوارث التي تتصفحها في الصحيفة امتداداً حياً لما عاشته، لا مجرد وقائع بعيدة أو محايدة.
تحاول البطلة أن تستعيد توازنها عبر طقس منزلي بسيط، كإعداد القهوة وتناول كعكة البرتقال، كي تشعر بالأمان، لكن يفشل هذا الطقس في منحها أماناً كاملاً، لأن الجسد نفسه محكوم بذاكرة النجاة والفقد، فلا يعود قادراً على التذوق الخالص أو الاطمئنان اللحظي. هكذا تبني القصة مفارقتها الأساس بين الخارج الآمن ظاهرياً والداخل الخائف، الذي لم يعد محمياً بعد تجربة الإعصار، كما لو أن الحياة اليومية نفسها صارت امتداداً هشاً لكارثة سابقة، تقول البطلة: “اليوم كالبارحة، لا جديد في الصحيفة. طويتها ووضعتها جانباً، وأكملت فنجان القهوة الأخير. كتبت بضع عبارات في دفتر يومياتي، ثم أغلقت باب المطبخ وغادرت للنوم”.
image.jpg
المجموعة القصصية (دار الحكمة)
من السمات اللافتة في المجموعة اعتمادها المكثف على التفاصيل اليومية والمكانية والزمنية، ثم تحول الأماكن وأصحابها: البيوت والأزقة والأحياء والمطبخ والصحيفة والصلات الاجتماعية وحركة الناس، وعادات الحي. غير أن هذه التفاصيل لا تقدم بوصفها عناصر واقعية محايدة، بل تتحول تدريجاً إلى علامات مشبعة بالمعنى، وأحياناً بالتهديد الواقعي المؤذي.
شبكة العلاقات
في قصة “ورود ليلى” لا يكون الحي مجرد فضاء جغرافي، بل يضحى كياناً ذا ذاكرة يحمل في أزقته آثار ما جرى وما يمكن أن يجري. الأزقة شبكة غير مرئية من العلاقات والحكايات والمخاوف، والرقابة الصامتة. المكان هنا لا يوفر الأمان للطفلة ليلى التي تنتهك طفولتها، بل يعيد إنتاج الخوف والجريمة، حتى وهو يبدو مألوفاً. لنقرأ: “إن مثل هذه الأحياء العالقة في غفلتها وطمأنينتها غالباً ما تسيل لعاب الكوارث، فتتسلل هذه من فراغات الغفلة والوقت مرتدية ما يشبه طاقية الإخفاء فتشتت هدوء كل شيء، الكارثة التي هبت على حينا في ذلك النهار بعثرت أمان الحي، وسحبت في طريقها ليلى أجمل أطفال الحي”.
ترصد الكاتبة حدود العلاقة بين الإنسان والمكان، كيف تتحول البيوت من ملاذ إلى مساحة هشة، وكيف يصبح الحي بما فيه من ألفة وتاريخ مجالاً لاحتمالات التهديد. وهذا ما يمنح القصص بعداً اجتماعياً عميقاً دون الوقوع في المباشرة أو الخطاب التقريري. المكان يتكلم من خلال تفاصيله وما يحدث على أرضه، كما أن اليومي المُعاش في هذه المجموعة لا يؤدي وظيفة التهدئة، بل العكس تماماً، هو ما يجعل الخوف أكثر قسوة لأنه يتسلل إلى أكثر لحظات الحياة بساطة. القهوة والصحيفة والحديث العابر، كلها لحظات قابلة للاختراق. وهنا تكمن المفارقة في تحويل العادي إلى حامل للقلق.
جمالية الكتمان
تعتمد قصص “خوف بارد” على سرد هادئ ومتماسك، يراقب ما يحصل، من دون انفعال مبالغ به. حتى في لحظات الفقد أو الكارثة لا تنحاز الكاتبة إلى المبالغة أو الإثارة، بل تكتب بدقة محسوبة، وهذا يبدو من ضمن الخيارات الأسلوبية في المجموعة، كما نجد في قصة “البحيرة” التي تحكي بشجن عن حادثة سقوط طائرة كانت تقل الضابط عدنان ومساعده، تسقط طائرتهما في البحيرة التي غرق بها كثر على مدى أعوام، ونسج حولها “كثير من الأسرار والحكايات التي تحولت مع الوقت إلى ما يشبه الخرافات الشعبية، وبمرور الوقت طفت البحيرة على سطح المدينة وفي خيال الناس، كحالة رثائية غامضة يمتزج فيها الغموض والإثارة والفضول”.
تقوم قصة “خوف بارد”، التي تحمل عنوان المجموعة على تحويل تجربة يومية عابرة، مثل دخول قاعة السينما والجلوس في العتمة، إلى فعل وجودي عميق، تستدعى عبره طبقات متراكمة من الخوف والذاكرة والوعي بالذات النسوية المحبوسة داخل شرنقة. يبدو الظلام هنا فضاءً حميمياً يمنح الساردة شعوراً بالأمان، في مقابل الخوف الحقيقي الذي يتجسد في الانكشاف أمام الآخرين ونظراتهم، واحتمال السقوط والضحك الجماعي. ومن خلال تداخل الأزمنة يتجاور الحاضر مع الطفولة، وتتحول تفاصيل حسية بسيطة، الروائح والأصوات واللمس، إلى مفاتيح لفتح ذاكرة أنثوية تشكلت على القلق من الجسد المرئي والفضيحة، لا من العتمة ذاتها.
أما الفيلم المعروض داخل القصة فيؤدي وظيفة انعكاسية، إذ تصبح عبارته عن الحب ولا منطقيته نقطة ارتكاز دلالية تتجاوز حدود الشاشة لتنعكس على حياة الساردة نفسها، وتكشف تصدعاً في تجربتها العاطفية والزوجية. لا تبحث القصة عن حدث صاخب أو ذروة درامية، بل تراكم معناها عبر وعي داخلي هادئ، لتنتهي بإدراك متأخر مفاده أن ما يُقال في الظل قد يكون أصدق أثراً مما يُعاش في الضوء، وأن بعض التحولات الكبرى تبدأ من جملة عابرة تُقال في فيلم، لكنها تستقر طويلاً في الرأس والقلب. تنجح القصة في تفكيك ثنائية شائعة: الخوف والأمان، كما لو أن الأمان قد يوجد في العتمة، في العزلة، في الجلوس في الصف الأخير، بينما يكمن الخطر في الضوء، في الانتباه، في أن تكون مرئياً. تكشف هذه القصة عن تجربة أنثوية مع الخوف الاجتماعي ومع الجسد ومع النظرة العامة، دون أن تقع في التفسير النفسي المباشر.
اقرأ المزيد
نجيب محفوظ اتكأ على ذاكرة الطفولة في قصصه القصيرة
قصص تشيخوف الكاملة مترجمة عن الروسية في 10 مجلدات
تتداخل الخيالات السوريالية والأحلام والذاكرة والواقع في قصة “خبز”، البطلة تمضي في سيارة، ينساب فيها صوت فيروز الذي تألفه، ينتابها شعور أن فيروز كانت صديقتها ذات حياة سابقة، تمضي في طريقها لتجد نفسها في شوارع جانبية وأزقة وسط متسولين ومتسكعين ومشردين، أين هي، تتساءل في سرها، مستدركة أنها في طريقها إلى المطار وأن عليها السفر، لكنها نسيت جواز سفرها وحقيبتها.
هذا المزج بين الفانتازيا والواقع يحضر أيضاً في قصة “سر الغيمة البيضاء”، مع حلول غيمة بيضاء تظهر لأهل الحي “كل مساء مع غروب الشمس، تبتعد من الأفق تدريجاً، ثم تختفي مع آخر شعاع للضوء”، الجميع يتحدث عن أسطورة الغيمة البيضاء التي تحمل رسالة ما، يقولون إنها روح ضائعة تبحث عن شيء لم تجد له إجابة، لكن وحده معروف من يصادف الغيمة البيضاء ويدير حواراً معها، حين تقول له: “لكنك الوحيد يا معروف الذي كنت تبحث عن شيء أكبر من الحياة نفسها، كنت تبحث عن الحقيقة، عن الروح التي يمكن لمسها، كنت تريد أن تبعث أولئك الموتى الذين تتحدث عنهم، الذي أصبحوا مجرد حبر ناشف على ورق الحياة”.
في قصة “كوكب الجدات”، تحضر سلطة النظام الأبوي عبر شخصية الجدة المحرضة، التي ترى أنه من واجب الأب والأخ منع الابنة من القراءة ومن استخدام المرايا، لأنها تخرب عقول البنات، تعبر البطلة عن خوفها الشديد من جدتها التي تراها أقوى من الأب والأم والجن الذين يسكنون تحت أجنحة الليل.
اعتمدت سلطان في اختياراتها اللغوية لغة بسيطة في ظاهرها، كثيفة في إيحاءاتها، يتنوع سردها بين ضمير المتكلم والراوي العليم. الجُمل غالباً قصيرة أو متوسطة، تعتمد على الإيقاع الداخلي، وعلى ما يترك مسكوتاً عنه. كثير من القصص تنتهي دون خاتمة حاسمة، وكأن الكاتبة تترك القارئ داخل الحالة نفسها، دون خلاص أو تفسير. تفتح قصص “خوف بارد” في نهايتها أفقاً واسعاً من الاحتمالات النفسية دون أن تحسم مساراتها أو تسميها مباشرة. وتبدو الشخصيات في معظم القصص عادية، غير بطولية، لا تسعى إلى المواجهة، بل إلى الاستمرار. تكمن قوتها في الاحتمال، وفي التعايش مع الخوف الكامن، لا في تجاوزه. هذا الخيار يعمق البعد الإنساني للنصوص، ويجعلها قريبة من تجربة القارئ، دون أن تقع في فخ التماهي الساذج.

