في التاريخ السياسي لا تسقط الأنظمة فجأة. هي تتآكل أولاً، تفقد قدرتها على التكيف، ثم تأتي اللحظة التي يصبح فيها سقوطها مجرد مسألة وقت. ما كان يبدو ثابتاً لعقود يتحول فجأة إلى كيان مترنح، وما كان جزءاً من توازنات العالم يصبح عبئاً عليها.
لعقود طويلة تشكل محور غير معلن لدول بنت شرعيتها على خطاب المواجهة مع الغرب والولايات المتحدة. في الشرق الأوسط برزت إيران كعنوان لهذا التحدي، وفي أميركا اللاتينية ظهرت فنزويلا بقيادة نيكولاس مادورو كنموذج لسلطة ترفع شعار الصمود الاقتصادي والسياسي، بينما بقيت كوبا رمزاً أيديولوجياً قديماً منذ نجاح الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو.
لكن العالم الذي وُلدت فيه هذه الأنظمة لم يعد قائماً. الحرب الباردة انتهت، والاقتصاد العالمي تغير، والمجتمعات نفسها لم تعد أسيرة الشعارات التي صاغتها ستينيات القرن الماضي.
اليوم تقف إيران في أكثر لحظاتها هشاشة منذ عام 1979. الضربات التي تتعرض لها لم تشهدها في تاريخها الحديث، والاستنزاف السياسي والعسكري يضع النظام أمام أخطر اختبار لوجوده. لم يعد السؤال إن كان النظام سيتغير، بل كيف سيحدث ذلك التغيير. فاستمرار هذا المسار قد يقود ليس فقط إلى سقوط النظام، بل ربما إلى إعادة رسم الخريطة الداخلية للدولة نفسها.
وفي أميركا اللاتينية تبدو القصة أكثر وضوحاً. فالنظام في فنزويلا، الذي حكم البلاد باسم الثورة البوليفارية، انتهى فعلياً بعد الجدل الكبير الذي رافق نقل الرئيس نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة تحت حراسة مشددة، في مشهد أنهى عملياً مرحلة كاملة من تاريخ كراكاس السياسي.
أما في هافانا، فقد جاء التحول بصيغة مختلفة. فقد أعلن الرئيس الكوبي قبل أيام استعداده للتفاوض مع الولايات المتحدة، وهو تصريح لم يكن من السهل تخيله في بلد بنى هويته السياسية لعقود على منطق القطيعة مع واشنطن.
إنه تحول كبير في سياسة هافانا، وربما إشارة واضحة إلى أن الزمن الذي حكمته الشعارات الأيديولوجية الصلبة يقترب من نهايته.
التاريخ يقول إن الأنظمة التي صمدت طويلاً لا تسقط بسهولة، لكنها أيضاً لا تبقى كما هي إلى الأبد. العالم يتغير بسرعة، والدول التي نشأت على منطق المواجهة الدائمة تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة تعريف موقعها في نظام دولي تحكمه المصالح الاقتصادية أكثر مما تحكمه الصراعات الأيديولوجية.
لهذا يبدو السؤال اليوم مختلفاً عمّا كان عليه قبل سنوات. لم يعد السؤال: هل ستتغير هذه الأنظمة؟ بل: من ينجح منها في التكيف مع الزمن قبل أن يفرض عليه التاريخ ذلك بالقوة.
وفي عالم يتبدل بهذه السرعة، قد تكون كوبا بالفعل الحلقة التالية بعد طهران وكراكاس… أو على الأقل أول من قرأ الإشارة وقرر أن يغير الطريق قبل فوات الأوان.

