كيف تهدد بكين الصناعات الأوروبية؟

1

 

 

القطاع الصناعي الألماني الأكبر في كتلة اليورو يعاني المنافسة والقيود الصينية

 

أحمد مصطفى صحافي متخصص في الشؤون الدولية

 

 

قبل أقل من عقدين كانت الصين أكبر سوق لتصدير المنتجات الألمانية، إلا أن الوضع تغير تماماً الآن (أ ف ب)

 

ملخص

تراجع نصيب السيارات الألمانية في السوق الصينية إلى 17% فحسب، بعدما كان عند نسبة 27% قبل خمسة أعوام، بحسب أرقام شركة الاستشارات “روديوم”.

 

منذ مطلع هذا العام والاهتمام في الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينصب على الصراع بين أكبر اقتصادين في العالم: أميركا والصين.

 

إلا أن الاتحاد الأوروبي، أكبر كتلة اقتصادية في العالم، يعاني الصراع، بخاصة مع الصين، ربما أكثر من الطرفين، فمن ناحية هناك الضغط الأميركي على الشريك الأوروبي، ومن ناحية هناك الإجراءات الصينية التي تستهدف أوروبا.

 

في الآونة الأخيرة أصبحت منافسة المنتجات الصينية للمنتجين المحليين في الأسواق الأوروبية، إلى جانب القيود الصينية على تصدير معادن الأرض النادرة والرقائق الإلكترونية، تهدد الصناعات الأوروبية، بخاصة في ألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.

 

ونشرت مجلة “إيكونوميست” في عددها الأخير تقريراً موسعاً حول الذعر الأوروبي من المنافسة والقيود الصينية وكيف تحولت الصين من “زبون” للصناعات الأوروبية إلى “قاتل” لتلك الصناعات، ومع أن التقرير يركز على الصناعات الألمانية، إلا أن الذعر من القيود ومن المنافسة الصينية يطاول القطاع الصناعي في دول أوروبا الكبرى الأخرى.

 

لم يعد الأمر يقتصر على ما تعتبره الشركات الأوروبية “منافسة غير عادلة” من قبل المنتجات الصينية التي تغزو الأسواق الأوروبية مستفيدة مما يراه الأوروبيون “مدخلات إنتاج رخيصة أو مدعومة” في الصين من أرض وطاقة وعمالة وتسهيلات ائتمان، بل إن الصين، في سياق إجراءاتها الدفاعية في الحرب التجارية، تضر أيضاً بمدخلات الإنتاج للشركات الأوروبية.

 

المعادن والرقائق

في يونيو (حزيران) الماضي أعد اتحاد شركات صناعة الآلات في ألمانيا (في دي أم إي أي) تقريراً حول “المنافسة غير العادلة” من جانب الصين، وطالب الاتحاد الأوروبي بإيجاد طريقة لوقف هذه الممارسات، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تصاعد التوتر الأوروبي بعدما قررت بكين فجأة الحد من تصدير مدخلين في غاية الأهمية للصناعات الأوروبية.

 

أضافت الصين خمسة من معادن الأرض النادرة، التي تستخدم في صناعة المحركات وغيرها، إلى نظام الترخيص الجديد للصادرات، وبعد ذلك بأيام حظرت تصدير الرقائق الإلكترونية التي تصنعها شركة “نيكسبيريا”، والتي يجرى توريدها لشركات صناعة السيارات وغيرها من الشركات الأوروبية.

 

وبدأت بعض الشركات الألمانية خفض إنتاجها بالفعل وتمنح بعض العاملين فيها إجازات من دون مرتب، وخلص الأوروبيون إلى أن الصين إنما تريد “وقف” صناعاتهم ويحذرون من أن بعض الصناعات قد تتوقف تماماً.

 

يقول رئيس اتحاد الصناعات الألمانية، وهو أيضاً رئيس شركة لإنتاج الأجهزة الطبية، بيرت ستر، عن المنافسة “في القطاع الذي أعمل به ينظرون (الصينيون) إلى المعدل السعري لأكبر شركة في القطاع ثم يبيعون منتجاتهم بنصف السعر تقريباً… إن أوروبا ليست مستعدة لهذا النوع من المنافسة الحامية”.

 

قبل أقل من عقدين كانت الصين أكبر سوق لتصدير المنتجات الألمانية، إلا أن الوضع تغير تماماً الآن. يبدو ذلك واضحاً من خلال تقارير اتحاد الصناعات الصغيرة (ميتلشتاند) التي تمثل شريحة كبيرة من القطاع الصناعي الألماني، ففي السابق كانت الصين مصدر العائدات والأرباح لذلك القطاع الذي يصدر إليها ما ينتجه من أدوات صناعة دقيقة.

 

كان القطاع الصناعي الصيني في حاجة إلى تلك المنتجات وقتها، أما الآن فالصين لا تنتج ما يسد حاجتها فحسب بل وتصدر أيضاً وبأسعار أقل من المنتجات الأوروبية المحلية.

 

التحول الصيني

في عام 2016 أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لألمانيا، أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وكان ذلك قمة استفادة الشركات الأوروبية من السوق الصينية، بعدما نقلت كثير من الصناعات الأوروبية، بخاصة صناعات السيارات، بعض مصانع إنتاجها إلى الصين للاستفادة من ميزات التصنيع هناك من عمالة وطاقة رخيصة والقرب من مدخلات الصناعة، واستخدمت تلك الشركات الأوروبية الصين كقاعدة للتصدير في مختلف أنحاء آسيا.

 

في الأعوام الأخيرة أصبحت المنتجات الصينية تنافس منتجات الشركات الأوروبية، سواء في السوق الصينية المحلية أو في التصدير.

 

وهكذا ارتفع العجز التجاري بين الصين وألمانيا، لمصلحة الصين طبعاً، إلى 66 مليار يورو (76 مليار دولار) العام الماضي، وهو ما يشكل نسبة 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني، ويتوقع أن يواصل العجز التجاري الارتفاع إلى 87 مليار يورو (100 مليار دولار) هذا العام.

 

السبب المباشر للعجز التجاري هو تراجع الصادرات الألمانية إلى الصين وزيادة الواردات الألمانية منها، وتتركز تلك الواردات في منتجات مثل السيارات والكيماويات وحتى الآلات الصناعية التي تعد تخصصاً ألمانياً عالمياً، وهناك أيضاً احتمالات إغراق المنتجات الصينية التي لن يتم تصديرها إلى السوق الأميركية لأسواق أوروبا.

 

في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) من هذا العام تراجعت الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 17 في المئة.

 

اقرأ المزيد

 

النزاع الصيني- الأميركي على صادرات المعادن النادرة والرسوم الجمركية

 

انفراجة في أزمة تصدير المعادن الصينية إلى الولايات المتحدة

 

الرسوم الأميركية لا تُجدي… المارد الصيني يواصل غزو الأسواق

وفي المقابل زادت صادرات الصين إلى دول الاتحاد الأوروبي بنسبة ثمانية في المئة في تلك الفترة، وكان الشهر الأخير من تلك الفترة شهد أكبر مبيعات للسيارات الصينية في أوروبا.

 

وتشكل السيارات الصينية حالياً نسبة 20 في المئة من سوق السيارات الهجينة (التي تعمل بالوقود والكهرباء معاً) في أوروبا ونسبة 11 في المئة من السيارات الكهربائية.

 

في المقابل تراجع نصيب السيارات الألمانية في السوق الصينية إلى 17 في المئة فحسب، بعدما كان عند نسبة 27 في المئة قبل خمسة أعوام، بحسب أرقام شركة الاستشارات “روديوم”.

 

لا يقتصر التحول الصيني على السوق الأوروبية بل يطاول المنافسة في بقية أسواق العالم، فعلى سبيل المثال ارتفعت صادرات الصين من السيارات إجمالاً من مستوى صفر تقريباً عام 2020 إلى أكثر من 5 ملايين سيارة العام الماضي، في المقابل انخفضت صادرات السيارات الألمانية إجمالاً بمقدار النصف تقريباً في تلك الفترة لتصل إلى 1.2 مليون سيارة فقط العام الماضي.

 

ماذا يمكن لأوروبا أن تفعل؟

في مسح أجراه المعهد الاقتصادي الألماني العام الماضي ذكر نصف عدد الشركات الصناعية التي تواجه منافسة صينية أنها تخطط لخفض الإنتاج والوظائف فيها، وذلك ما جعل تقرير المعهد يخلص إلى أن “الصدمة الصينية قد وصلت” إلى أوروبا.

 

كثيراً ما اشتكت الشركات الأوروبية من أن نظيرتها الصينية تستفيد من قلة كلفة الإنتاج وحتى لا تلتزم المعايير الأوروبية، لذا فهي تشكل منافسة غير عادلة.

 

إلا أن الإجراءات الأخيرة بزيادة عدد معادن الأرض النادرة التي تتضمنها نظم الترخيص الصينية المشددة ووقف تصدير رقائق الكمبيوتر زادت من الانزعاج الأوروبي إلى حد الذعر.

 

لكن هناك تساؤلات عما يمكن لأوروبا أن تفعله في مواجهة المنافسة والقيود الصينية، بخاصة أن أوروبا تشعر بأنها “معزولة” عن الترتيبات التجارية بين الصين والولايات المتحدة.

 

وعلى رغم أن الاتفاق الأخير بين واشنطن وبكين تضمن تأجيل القيود على صادرات المعادن النادرة لمدة عام، فإن نظام الترخيص في شأن سبعة معادن نادرة يظل قائماً، والآن أضيفت خمسة معادن أخرى للنظام، في وقت تستهدف بكين منع “تكديس” معادن الأرض النادرة لدى الآخرين لأن ذلك يحرمها من “ورقة تفاوض” تجارية في غاية الأهمية.

 

أما كل جهود أوروبا للبحث عن مصادر أخرى لتلك المعادن فليست مفيدة كثيراً، فعلى سبيل المثال هناك مفاوضات بين أوروبا واليابان في شأن تلك المعادن النادرة لكنها لم تثمر شيئاً ملموساً، إذ إن اليابان تملك مخزوناً كبيراً من تلك المعادن “كدسته” قبل أن تحظر الصين صادراتها إليها قبل أعوام إثر خلافات عميقة بين البلدين.

 

أما بالنسبة إلى الرقائق الإلكترونية فهي مثال على أن أوروبا “ليس بيدها كثير” لتفعله في مواجهة الصين، فشركة “نيكسبيريا” التي تنتج تلك الرقائق مقرها في هولندا، لكنها مملوكة بالكامل لشركة صينية، وتجرى العمليات النهائية لإنتاج الرقائق في الصين.

 

في نهاية سبتمبر الماضي استخدمت الحكومة الهولندية قانوناً قديماً في محاولة للسيطرة على إدارة الشركة على أساس “اعتبارات المصلحة الوطنية”، وكان ذلك القرار وراء إجراء الصين المضاد بحظر تصدير الرقائق، ومع التبعات الكارثية على الصناعات الأوروبية، اضطرت الحكومة الهولندية إلى التراجع عن القرار الأسبوع الماضي.

 

حتى في المجالات التي اتخذت فيها أوروبا إجراءات حمائية ضد المنتجات الصينية لم تفلح في وقف المنافسة الصينية في الأسواق الأوروبية، فعلى سبيل المثال فرض الاتحاد الأوروبي رسوم تعريفة جمركية على السيارات الكهربائية الصينية تراوحت ما بين 17 و45 في المئة، ومع ذلك تظل السيارات الصينية، حتى بعد إضافة رسوم التعريفة الجمركية أرخص كثيراً من نظيرتها الأوروبية.

التعليقات معطلة.