مصادر تتحدث لـ”اندبندنت عربية” عن تنشيط حكومة أبوظبي مسارات تهريب “بديلة” لـ”الدعم السريع” عبر أوغندا وإثيوبيا تحت ضغط الاستهداف لسلاسل الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد وتكنولوجيا المسيرات تبقي الرقم الصعب في معادلة الحرب
أحمد عبد الحكيم صحافي
لم يكن الدعم الإماراتي لـ”الميليشيات المتمردة” مقتصراً على الإمداد العسكري والتسليحي إذ لعبت حكومة أبوظبي دوراً بارزاً في تجنيد المرتزقة الأجانب للقتال إلى جانب قوات “الدعم السريع” (أ ف ب)
ملخص
أمام ما يبدو أنه محاولات حثيثة من الجيش السوداني لتطويق مسارات تهريب السلاح والعتاد العسكري لميليشيات “الدعم السريع” خلال الأشهر الماضية وبخاصة القادمة من الإمارات، كشف أربعة مسؤولين أمنيين سودانيين وعرب لـ”اندبندنت عربية” عن أن “مسارات بديلة لتهريب السلاح إلى قوات حميدتي بدأت تنشط في الأشهر الماضية بعدما تمكن الجيش السوداني بدعم من الطائرات المسيرة من تضييق الخناق على مسارات التهريب التقليدية عبر تشاد وليبيا”، متهمين حكومة أبوظبي بصورة رئيسة بأداء دور بارز في تنشيط تلك المسارات البديلة عبر إثيوبيا وأوغندا وحتى كينيا.
لم تكن الحرب في السودان التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، شأناً داخلياً ولا مجرد صراع على السلطة بين جنرالات أو منافسة محلية فحسب، بل عكس سريعاً تمدد رقعة القتال بها وتعقد مساراته، حجم انتظام أطراف خارجية بعينها في تعميق الأزمة عبر دعم طرف على حساب الآخر كجزء من حسابات إقليمية مرتبطة بالسياسة والأمن والاقتصاد لا سيما مع الحديث عن مخزونات الذهب السوداني، والاستثمارات الزراعية، والأهمية الاستراتيجية لساحل البحر الأحمر.
في معادلة الانتظامات الإقليمية برزت الإمارات، التي لاحقتها الاتهامات منذ فترة مبكرة من عمر الحرب لتقديمها دعماً مباشراً وغير مباشر لقوات “الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وذلك وفق ما وثقه سيل من التقارير والتحقيقات الرسمية والإعلامية التي وصلت في بعضها إلى قاعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحاكم الدولية، وذلك من خلال إسناد لوجيستي وتمرير أسلحة أو توفير قنوات مالية يعتقد أنها ساعدت على توسيع نفوذ “الميليشيات المتمردة” وكانت سبباً رئيساً في إطالة عمر الحرب التي اقتربت من دخولها العام الرابع.
الدور الإماراتي في تعميق الصراع، وإن نفته حكومة أبوظبي متمسكة دوماً بأن حضورها في السودان “ذو طابع إنساني”، وأنه يركز على الإغاثة وتقديم المساعدات للمتضررين من الحرب، حول، وفق كثر، الحرب الأهلية السودانية إلى نزاع مدمر متواصل لأعوام، حصد أرواح مئات الآلاف، وشرد أكثر من 12 مليون شخص، ليصبح السودان شاهداً على “أسوأ كارثة إنسانية في العالم” بحسب توصيف الأمم المتحدة.
وكان لافتاً في الأشهر الأخيرة وبعد عدد من الهزائم التي منيت بها قوات “الدعم السريع” على يد الجيش السوداني بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان والتحول في بعض الجبهات لا سيما العاصمة الخرطوم ووسط البلاد في مارس (آذار) 2025، إصرار حكومة أبوظبي على المضي قدماً في تقديم الدعم العسكري واللوجيستي لقوات حميدتي، وذلك عبر تنشيط مسارات “بديلة” لتهريب السلاح تتجاوز تلك المسارات التقليدية عبر كل من ليبيا وتشاد، بحسب ما كشفه أربعة مسؤولين أمنيين لـ”اندبندنت عربية”، مما يعيد شبكات تهريب السلاح العابرة للحدود في الأزمة السودانية إلى الواجهة، والدور الذي تؤديه الإمارات في تغذية آلة الحرب عبر تأسيس شبكة معقدة من الدعم اللوجيستي والسياسي لدعم “ميليشيا” كثيراً ما اتهمت بارتكاب “جرائم حرب” في مناطق مختلفة من جبهات المعارك.
الإمارات تنشط مسارات “بديلة” لتهريب السلاح
أمام ما يبدو أنه محاولات حثيثة من الجيش السوداني لتطويق مسارات تهريب السلاح والعتاد العسكري لميليشيات “الدعم السريع” خلال الأشهر الماضية وبخاصة القادمة من الإمارات، كشف أربعة مسؤولين أمنيين سودانيين وعرب لـ”اندبندنت عربية” عن أن “مسارات بديلة لتهريب السلاح إلى قوات حميدتي بدأت تنشط في الأشهر الماضية بعدما تمكن الجيش السوداني بدعم من الطائرات المسيرة من تضييق الخناق على مسارات التهريب التقليدية عبر تشاد وليبيا”، متهمين حكومة أبوظبي بصورة رئيسة بأداء دور بارز في تنشيط تلك المسارات البديلة عبر إثيوبيا وأوغندا وحتى كينيا.
وبحسب مسؤول سوداني رفيع المستوى طلب عدم ذكر اسمه، فإن طبيعة المعارك والجبهات التي سعي “الدعم السريع” إلى فتحها خلال الأشهر الأخيرة، كان من بين أهدافها الرئيسة “تأمين مسارات إمدادات الأسلحة القادمة من الخارج، سواء من إثيوبيا أو كينيا وأوغندا عبر جنوب السودان، بدعم من الجانب الإماراتي”، وذلك في وقت يكثف فيه الجيش من ملاحقة تلك التحركات فضلاً عن استهداف “خطوط الإمداد التقليدية”، مشيراً في حديثه معنا إلى أن غالب هذه الإمدادات تمر “عبر الحدود مع بحر الغزال في جنوب السودان وولاية النيل الأزرق بالسودان قادمة من أوغندا وكينيا وحتى إثيوبيا”.
AFP__20251213__88266CV__v3__MidRes__SudanConflictProtest.jpg
تتخذ الإمارات مسارات عدة جوية وبرية سرية لتقديم الدعم العسكري المباشر لقوات “الدعم السريع” في السودان (أ ف ب)
وفي وقت سابق من الشهر الجاري وفي تطور لافت، تمكن الجيش السوداني من رفع الحصار عن مدينة كادقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، فضلاً عن استعادة السيطرة على الطريق القومي الرابط بين الدلنج وكادقلي من قبضة ميليشيات “الدعم السريع” وحلفائها من الحركة الشعبية- شمال (جناح عبدالعزيز الحلو) إثر عمليات عسكرية استمرت أسابيع.
وتكمن أهمية كادقلي، وفق مراقبين عسكريين، في موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إذ تقع في قلب جبال النوبة، وتشكل حلقة وصل بين وسط السودان وجنوبه، وبوابة للتجارة والنقل مع دولة جنوب السودان (إحدى بوابات عبور السلاح من أوغندا وفق مسؤول أمني سوداني)، وتمثل المدينة محوراً تاريخياً للعمليات العسكرية والإمدادات منذ اتفاق السلام الشامل عام 2005، فضلاً عن قربها من مناطق غنية بالموارد الطبيعية، وعلى رأسها حقول النفط في هجليج، مما جعلها هدفاً دائماً للصراع العسكري والاقتصادي.
وعلى جبهة الحدود السودانية الإثيوبية، كانت المعارك بين الطرفين قد دخلت منعطفاً لافتاً الشهر الماضي، بعدما عادت ولاية النيل الأزرق (جنوب شرق) إلى دائرة الحرب، وبحسب المراقبين العسكريين، تكمن الأهمية الاستراتيجية بالنسبة إلى ولاية النيل الأزرق، في موقعها الحساس كمنطقة حدودية مع دولتي إثيوبيا وجنوب السودان، وممر للحركة والتجارة والتهريب، وهو ما يجعل للسيطرة عليها بعداً عسكرياً وسياسياً إقليمياً.
وعلى رغم سيطرة الجيش على أجزاء واسعة من النيل الأزرق، فإن قوات الحركة الشعبية-شمال، بقيادة جوزيف توكا، تسيطر على مناطق عدة وخصوصاً الحدودية مع إثيوبيا وجنوب السودان، منذ اندلاع القتال بينها وبين الجيش في 2011.
تلك التشابكات والتعقيدات الميدانية على أرض المعركة في السودان، وسعي “الدعم السريع” إلى فتح الجبهات في المناطق الحدودية مع جنوب السودان وإثيوبيا، فسرها مصدر أمني سوداني ثان في حديثه معنا قائلاً “لم تكن التحولات الميدانية التي شهدتها ساحات المعركة في السودان طوال العام الماضي بين ’الدعم السريع‘ وقوات الجيش أحداثاً عابرة من عمر الحرب، إذ مثلت استعادة الجيش العاصمة الخرطوم في مارس 2025 أي بعد عامين من سيطرة ميليشيات حميدتي عليها، ثم سيطرة الأخيرة على المثلث الحدودي (مثلث جبل العوينات) مع مصر والسودان وليبيا في يونيو (حزيران) ومن بعدها الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 محطات تحول وانقلاباً في الموازين ومعادلات الصراع وحتى على صعيد حركة الأطراف الإقليمية وعلى رأسها الإمارات المنتظمة بصورة مباشرة”، موضحاً “كانت تحركات ’الدعم السريع‘ تهدف إلى تأمين سلاسل الإمداد العسكرية الإماراتية عبر كل من تشاد وليبيا، لكن خلال الفترات الماضية من عمر الحرب تمكن الجيش من استهداف تلك المسارات وتضييق الخناق عليها مما تطلب العمل على تنشيط مسارات لم تهدأ هي الأخرى طوال الحرب وذلك عبر إثيوبيا وجنوب السودان”.
جانب من أسلحة الدعم السريع بقبضة الجيش السوداني (أ ف ب).jpg
جانب من أسلحة الدعم السريع التي سيطرت عليها قوات الجيش بعد دحرها من العاصمة خرطوم العام الماضي (أ ف ب)
وأوضح المصدر ذاته أن “التحولات الكبرى على صعيد الحرب المستعرة أخذت منحى مغايراً خلال الأشهر الـ10 الماضية، بمزيد من حركة قوات الجيش، في مواجهة دور متنامٍ لتسهيل حركة السلاح الإماراتية إلى قوات حميدتي”، مما عمق الحرب في السودان ذلك البلد العربي الأفريقي، الذي لا تزال أزمته تواجه استقطاباً حاداً على رغم تبعاتها السياسية والأمنية والاقتصادية ليس فقط على الداخل السوداني وإنما على عموم الإقليم.
وقبل أيام اتهم نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، مالك عقار، قيادات مؤثرة في دولة جنوب السودان بالتواطؤ لإيصال الإمدادات إلى قوات “الدعم السريع”، وقال في تصريحات إعلامية إن “نائب رئيس جنوب السودان، تعبان دينق، وبعض قادة أجهزة الأمن السابقين متواطئون في إيصال الدعم للتمرد، مؤكداً أن الإمدادات التي تصل إلى هذه القوات لا تمثل سياسة رسمية لدولة جنوب السودان”
وبحسب قائد القوات البحرية السودانية السابق الفريق ركن فتح الرحمن محيي الدين، فإن “تنشيط الإمارات مسارات التهريب عبر جبهات النيل الأزرق وجنوب كردفان يعكس إصرار حكومة أبوظبي على تهريب السلاح لميليشيات ’الدعم السريع‘ عبر نقاط جغرافية استراتيجية يمكن من خلالها تسهيل حركات المرور والعبور”، موضحاً في حديثه معنا “أن معارك مثل تلك التي وقعت في ولاية النيل الأزرق وإن هدفت لتشتيت جهود الجيش عن عملياته في ولايات كردفان ودارفور إلا أن اللافت أنه تم الإعداد لها منذ فترة على الحدود الإثيوبية، من خلال إنشاء مطارات عسكرية وإيصال إمدادات لوجيستية بدعم إماراتي”.
وذكر محيي الدين أن قوات الجيش بدأت تدرك أن مجابهة “ميليشيات التمرد” لم تعد ترتكز على استعادة المدن بوصفها أهدافاً رمزية “بل عبر العمل على تفكيك البيئة العملياتية للميليشيات، وضرب خطوط الإمداد، وعزل مناطق الانتشار، وفرض تفوق عسكري ميداني يمنع إعادة التموضع”، مشيراً إلى أنه من زاوية الاقتصاد الحربي، “يدرك الجيش أهمية استهداف أعمدة تمويل الميليشيات القائم على السيطرة على الطرق والموارد، فاستعادة خطوط الإمداد والاقتراب من مناطق النفط يقللان من قدرة ’الدعم السريع‘ على تمويل عملياتها”.
وبينما لم تتمكن “اندبندنت عربية” من الحصول على رد رسمي من الإمارات في شأن مساعيها إلى تنشيط مسارات تهريب بديلة للسلاح لقوات “الدعم السريع”، إلا أن عادة ما تنفي حكومة أبوظبي مثل هذه الاتهامات، وتعدها “مزاعم لا أساس لها من الصحة” متمسكة بأن دورها في السودان “ذو طبيعة إنسانية بحتة” وإنها لم تنقل أي أسلحة إلى الأطراف المتحاربة منذ بداية الحرب.
ماذا نعرف عن مسارات التهريب عبر ليبيا وتشاد؟
أمام سيل من التقارير والتحقيقات والشهادات الموثقة، لم يكن الدعم الإماراتي لقوات “الدعم السريع” “موضع شك” وفق كثر، إذ رصدت تقارير عدة أن أبوظبي مولت وسلحت الميليشيات عبر مسارات تمتد من ليبيا إلى تشاد، مستعينة بشبكة إقليمية معقدة لتجاوز الرقابة الدولية.
ووفق المصادر التي تحدثت إلينا، فضلاً عما كشفته التحقيقات والوثائق والمنظمات الأممية خلال العامين الماضيين، تتخذ الإمارات مسارات عدة جوية وبرية سرية لتقديم الدعم العسكري المباشر لقوات “الدعم السريع” في السودان، مع تركيز حكومة أبوظبي خلال فترة طويلة من الحرب على مسارين رئيسين هما ليبيا وتشاد، وهو ما عززه في المقابل فرض الميليشيات المتمردة سيطرتها على المناطق الحدودية الرئيسة في شمال غربي البلاد مع ليبيا وغربها مع الحدود التشادية، وذلك بعد السيطرة على المثلث الحدودي في يونيو 2025 وفتح طريق إمداد مباشر لها عبر ليبيا، مما أسهم لاحقاً في سقوط الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب) بعد حصار دام أكثر من 550 يوماً، في قبضتها.
وتسلك شحنات الأسلحة مسارين رئيسين في مناطق معينة تحظى فيها أبوظبي بنفوذ كبير وواسع، وذلك بهدف ضمان وصولها إلى قوات “الدعم السريع”، ومن بين تلك المسارات تبرز مناطق الشرق والجنوب الليبي الواقع تحت سيطرة اللواء خليفة حفتر، كأحد أهم المسارات التي تستخدمها الإمارات في تهريب الأسلحة إلى مناطق سيطرة قوات “الدعم السريع”.
وبحسب تحقيق سابق لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية فإن الإمارات استخدمت الأراضي الليبية كمنصة لوجيستية لتكثيف نقل شحنات الأسلحة إلى قوات “الدعم السريع” في السودان. موضحاً نقلاً عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين وعرب، أن الإمارات زادت من وتيرة الرحلات الجوية التي تنقل الأسلحة عبر ليبيا.
وتشمل الأسلحة المنقولة عبر شرق ليبيا، طائرات من دون طيار صينية الصنع متطورة من طراز “CH-95″، إضافة إلى أسلحة صغيرة، ومدافع رشاشة ثقيلة، ومدفعية، وذخائر، وفقاً للصحيفة فإن هذا الدعم النوعي ساعد قوات “الدعم السريع” على شن هجوم متجدد بعد سلسلة من الهزائم التي منيت بها أوائل العام الماضي.
وبحسب المصادر السودانية التي تحدثت إلينا، فضلاً عما وثقته تقارير وتحقيقات سابقة فإن مسار تهريب الأسلحة إلى “الدعم السريع” الذي تقوده الإمارات، من ليبيا إلى مناطق سيطرة “الدعم السريع” في دارفور يمر برياً عبر مدينة الكفرة الليبية التي تقع في أقصى جنوب شرقي ليبيا، أو عبر رحلات مباشرة بطائرات شحن تقلع من مطارات في بنغازي وصولاً إلى مطارات خاضعة لـ”الدعم السريع” داخل السودان.
أما عن المسار التشادي، ووفق ما كشفه تحقيق سابق لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية فقد عمل الإماراتيون على تضخيم حملتهم السرية لدعم “قوات حميدتي” وذلك عبر إطلاق طائرات من دون طيار صينية الصنع قوية، وهي الأكبر من نوعها على الإطلاق في حرب السودان، من مطار أمجراس التشادي الحدودي (يقع على بعد 600 ميل شرق العاصمة التشادية نجامينا) بعدما قامت الإمارات بتوسيعه إلى مطار عسكري مجهز تجهيزاً جيداً، في مرحلة مبكرة من عمر الحرب.
طائرة شحن عسكرية إماراتية في مطار أمجراس التشادي رويترز.JPG
صورة بالأقمار الصماعية تظهر طائرة شحن عسكرية إماراتية في مطار أمجراس التشادي (رويترز)
وبحسب الصحيفة الأميركية، فقد تم بناء حظائر للطائرات وتركيب محطة للتحكم في الطائرات من دون طيار في مطار أمجراس، وفق ما أظهرته صور الأقمار الاصطناعية، كذلك نقلت كثير من طائرات الشحن التي هبطت في المطار أثناء الحرب أسلحة للإمارات إلى مناطق صراع أخرى، مثل ليبيا، إذ اتهم الإماراتيون أيضاً بانتهاك حظر الأسلحة، وفقاً لتحليل صحيفة “نيويورك تايمز” لبيانات تتبع الرحلات الجوية، مشيرة نقلاً عن مسؤولين أميركيين إلى قولهم إن “الإماراتيين يستخدمون المطار لتسيير طائرات عسكرية من دون طيار متقدمة لتزويد قوات ’الدعم السريع‘ بمعلومات استخباراتية عن ساحة المعركة، ومرافقة شحنات الأسلحة إلى المقاتلين في السودان – لمراقبة المكامن”.
وحددت “نيويورك تايمز” من خلال تحليل صور الأقمار الاصطناعية نوع الطائرة من دون طيار المستخدمة: وينج لونج 2، وهي نموذج صيني غالباً ما يقارن بطائرة أم كيو-9 ريبر التابعة للقوات الجوية الأميركية، وأظهرت الصور مخبأ ذخيرة واضحاً في المطار ومحطة تحكم أرضية لطائرة وينج لونج إلى جانب المدرج على بعد نحو 750 ياردة فقط من مستشفى تديره الإمارات الذي عالج مقاتلي قوات “الدعم السريع” الجرحى.
وتستطيع الطائرة وينج لونج الطيران لمدة 32 ساعة، ويبلغ مداها 1000 ميل ويمكنها حمل ما يصل إلى 12 صاروخاً أو قنبلة. ويقول المسؤولون إن الطائرات من دون طيار توفر المراقبة وتحديد الأهداف في ساحات المعارك الفوضوية، مضيفين أنه بعد الإقلاع من القاعدة، قد يتم توجيه الطائرات من دون طيار من بعد من الأراضي الإماراتية.
اقرأ المزيد
أقنعة الإمارات تتساقط في “النيل الأزرق”
خيوط الدعم الإماراتي “للدعم السريع”… قراءة في الشواهد والاتهامات
النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي… تهديد متصاعد للاستقرار الإقليمي
الإمارات في السودان: دور مزدوج لأغراض شتى
الجنائية الدولية: “الدعم السريع” حفرت مقابر جماعية لإخفاء “جرائم حرب”
ونقلت “نيويورك تايمز” عن رئيس وزراء تشاد السابق سوكس ماسرا قوله “الأمر واضح للغاية: الإمارات ترسل الأموال، الإمارات ترسل الأسلحة”، مضيفاً أنه بعد شكاوى من المسؤولين الغربيين، أخبر رئيس بلاده محمد إدريس ديبي أن السماح للإمارات بنقل الأسلحة عبر تشاد كان “خطأً فادحاً” لكن لم يتغير شيء، فقد وعدت الإمارات السيد ديبي بقرض بقيمة 1.5 مليار دولار، وهو ما يقارب حجم الموازنة الوطنية لتشاد البالغة 1.8 مليار دولار قبل عام.
كذلك في وقت سابق من العام الماضي، ذكرت تقارير سرية قدمت إلى مجلس الأمن الدولي خلال مناقشته للحرب في السودان أن أسلحة ومكونات بريطانية الصنع – بما في ذلك أنظمة استهداف للأسلحة الصغيرة ومحركات مستخدمة في مركبات نمر عجبان المدرعة الإماراتية الصنع، قد عثر عليها من مواقع تسيطر عليها قوات “الدعم السريع” السودانية. وحذر متخصصون الأمم المتحدة من أن تحويل مسار هذه المعدات يشكل “خطراً جسيماً” على الاستقرار الإقليمي، وقد يفاقم تأجيج الصراعات في الدول التي لا تزال تخضع لقيود الأسلحة.
وتظهر الصور والملفات المقدمة إلى الأمم المتحدة أن مركبات نمر، التي صنعتها مجموعة “إيدج” المملوكة للدولة الإماراتية، والمزودة بمحركات كامينز، قد صودرت من قوات “الدعم السريع” في الخرطوم وأم درمان، وربطت تقارير سابقة المركبات نفسها بميليشيات في ليبيا والصومال ومناطق نزاع أخرى تخضع لتدقيق في عمليات نقل الأسلحة.
اتهمت تحقيقات مستقلة عدة الإمارات بتوفير “لوجيستيات الأسلحة وتجنيد المرتزقة لقوات ’الدعم السريع‘ عبر شركات خاصة ” (أ ف ب)
كذلك كتب سفير الاتحاد الأوروبي في السودان، إيدان أوهارا، في مذكرة سرية حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز” في فبراير (شباط) من العام الماضي “إن تسليم الطائرات من دون طيار ومدافع الهاوتزر وقاذفات الصواريخ المتعددة وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة لقوات ‘الدعم السريع‘ من قبل الإمارات ساعدها في تحييد التفوق الجوي” للجيش السوداني (نظام الدفاع الجوي المحمول هو نوع من الصواريخ المضادة للطائرات).
وإلى جانب هذه المسارات التقليدية، لم تكف الإمارات عن إرسال دعم عسكري مباشر من أراضيها إلى “الدعم السريع”، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) ذكرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، أن متخصصي الأسلحة والمراقبين الحقوقيين، بما في ذلك مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل ومنظمة السلام الهولندية ” PAX”، تتبعوا تحول قوات “الدعم السريع” إلى قوة مسلحة بصورة كثيفة بأسلحة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة وأنظمة الدفاع الجوي، مشيرة إلى أن توسيع ترسانة قوات “الدعم السريع” تزامن مع رحلات شحن منتظمة انطلقت من الإمارات، غالباً مروراً بقاعدة تسيطر عليها الإمارات في بوصاصو، الصومال، وفقاً لمتخصصي تتبع الرحلات الجوية.
وتستمر الرحلات إلى مطارات في ليبيا وتشاد وأماكن أخرى في المنطقة عبر جسر جوي متطور من الإمارات إلى الأراضي التي تسيطر عليها قوات “الدعم السريع”، وقد وثقته سابقاً لجنة متخصصي الأمم المتحدة التي تقدم تقاريرها إلى مجلس الأمن حول انتهاكات حظر الأسلحة المفروض على السودان.
ونقلت “فايناشيال تايمز” عن مايك لويس، متخصص الطيران والسيطرة على الأسلحة الذي عمل على لجان الأمم المتحدة السابقة لمراقبة حظر الأسلحة على السودان قوله “يتم توفير لوجيستيات الأسلحة وتجنيد المرتزقة لقوات ’الدعم السريع‘ عبر شركات خاصة، تبدو بعيدة من الدولة”، وأضاف “ولكن إذا كانت الطائرات التي تحمل أسلحة أو مقاتلين تمر عبر الإمارات من دون أن تعرف الحكومة بذلك أو تتمكن من إيقافها، فإن أفضل ما يمكن قوله هو أنهم لا يسيطرون على حدودهم ومطاراتهم، والأسوأ أنهم يسمحون بحدوث ذلك”.
وعلى رغم تمسك الإمارات بنفي تلك التقارير مع رفض ما تعتبره “ادعاءات بأنها سلحت ’الدعم السريع‘ ومكنتها عسكرياً” واصفة الأمر بأنه “حملة ممنهجة لاستهداف دورها الإنساني في السودان”، إلا أن لجنة متخصصين تابعة للأمم المتحدة قدمت العام الماضي ما وصفته بـ”الأدلة الموثوقة” على أن أبوظبي زودت قوات “الدعم السريع” بالأسلحة عبر تشاد، في حين أفادت بلغاريا بصورة منفصلة لمحققي الأمم المتحدة أن قذائف الهاون التي صادروها من الميليشيات عند دخولها السودان في 2024 كانت قد صدرت سابقاً إلى الإمارات، من دون الحصول على إذن لإعادة التصدير، كذلك كشفت تحقيقات منظمة العفو الدولية في مايو (أيار) 2025، أن أسلحة صينية متقدمة، بما في ذلك صواريخ موجهة ومدافع هاوتزر، قد “أعيد تصديرها على الأرجح”، لقوات “الدعم السريع” عبر الإمارات.
وقد اعترفت أبوظبي سابقاً بأنها قدمت أسلحة للجيش ولـ”الدعم السريع” بعد دعمها المجلس العسكري الذي ضم حميدتي والرئيس الفعلي عبدالفتاح البرهان، والذي أطاح الحكومة الانتقالية 2021 التي خلفت البشير، لكنها قالت إن أي عمليات نقل أسلحة توقفت بعد اندلاع الحرب الأهلية.
سعى الجيش السوداني في الشهور الأخير لتطويق مسارات تهريب السلاح والعتاد العسكري لميليشيات “الدعم السريع” وبخاصة القادمة من الإمارات (أ ف ب)
وإجمالاً عكس حجم وطبيعة الإمداد العسكري الإماراتي لميليشيات “الدعم السريع” تحويل الحرب في السودان إلى “ساحة اختبار” لا سيما في ما يتعلق بمجال المسيرات القتالية، وفق ما كتبه براندن ويكرت في صحيفة “ناشيونال إنترست” الأميركية، قائلاً إن “الحرب في السودان ودعم الإمارات ميليشيات ’الدعم السريع‘ أظهرت كيفية تأثير قدرات إنتاج المسيرات الإماراتية الجيوسياسية، بعدما أصبح السودان بسرعة واحداً من أكثر ميادين القتال كثافة بالمسيرات في العالم”.
ووفق ويكرت، فإن “الطائرات من دون طيار الإماراتية الصنع تملأ ساحة المعركة في السودان، ويستخدم الإماراتيون الصراع الأفريقي فعلياً كحقل تجارب لأنظمتهم المتطورة بصورة متزايدة”، مشيراً إلى تقرير حديث نشرته “بريكينج ديفينس” المتخصصة في الصناعات الدفاعية، حول كيف تحول الإماراتيون إلى رقم في مجال المسيرات، إذ وقعت الإمارات اتفاقات لإنتاج تقنيات ومسيرات محلية بقيمة تقارب 400 مليون دولار خلال معرض ومؤتمرات الأنظمة غير المأهولة (يومكس) في أبوظبي، وأن السبب وراء شراكة التكتلات الدفاعية الإماراتية مع الشركات الأميركية هو تطوير هياكل طائرات متطورة، وأجهزة استشعار، وبرمجيات ذكاء اصطناعي أفضل، ودمج الذخائر، لكن الجانب الجوهري في هذه الصفقات هو التركيز على التصنيع المحلي”.
الدعم ليس بالسلاح وحده
لم يكن الدعم الإماراتي المباشر لـ”الميليشيات المتمردة” مقتصراً طوال أشهر الحرب الماضية على الإمداد العسكري والتسليحي، فإلى جانب توريد الأسلحة مباشرة أدت حكومة أبوظبي دوراً بارزاً في تجنيد المرتزقة الأجانب للقتال إلى جانب قوات “الدعم السريع”.
ففي تحقيق أجرته شبكة “سنتري” نوفمبر 2025، كشف عن أن مرتزقة كولومبيين أرسلوا لدعم قوات “الدعم السريع” في دارفور عبر شركة إماراتية مرتبطة بمسؤول حكومي رفيع المستوى في حكومة الإمارات، مما يجعل أبوظبي “شريكاً مباشراً في تأجيج الحرب وارتكاب فظائع ضد المدنيين”، وفق اتهامات كثر.
وذكر التحقيق أنه بينما تستعر الحرب في السودان وتواصل قوات “الدعم السريع” عمليات قتل المدنيين في مدينة الفاشر غرب البلاد، ظهرت تقارير عن انضمام مرتزقة كولومبيين، يطلقون على أنفسهم اسم “ذئاب الصحراء”، إلى القتال وتدريب أطفال على القتال لمصلحة هذه الميليشيات الوحشية، كاشفة عن وثائق شركات تظهر أن رجل الأعمال الإماراتي الذي يزود قوات “الدعم السريع” بهؤلاء المرتزقة هو شريك تجاري لمسؤول حكومي رفيع المستوى في دولة الإمارات، يشغل منصباً يعادل كبير موظفي البيت الأبيض، مما يمثل دليلاً إضافياً على الروابط الرفيعة المستوى بين الإمارات وقوات “الدعم السريع”، التي تتهم بارتكاب “إبادة جماعية” في السودان.
AFP__20250522__47R76G2__v1__MidRes__SudanConflict.jpg
تحولت الحرب الأهلية السودانية إلى نزاع حصد أرواح مئات الآلاف، وشرد أكثر من 12 مليون شخص، ليصبح السودان شاهداً على “أسوأ كارثة إنسانية في العالم” بحسب توصيف الأمم المتحدة (أ ف ب)
وذكرت “سنتري” أن شركة غلوبال سكيورتر سيفرسيس غروب (GSSG) وهي شركة مسجلة في الإمارات وتتولى ترتيب نشر المرتزقة الكولومبيين إلى السودان، تصف نفسها بأنها “مزود خدمات الأمن الخاص المسلح الوحيد لحكومة الإمارات”، وتدرج من بين عملائها: وزارة شؤون الرئاسة، ووزارة الداخلية، ووزارة الخارجية بالإمارات، وتعود ملكية الشركة بالكامل لرجل الأعمال الإماراتي محمد حمدان الزعابي، إذ أسست عام 2016 على يد أحمد محمد الحميري، الأمين العام لديوان الرئاسة في الإمارات منذ فترة طويلة، ويترأس الديوان حالياً نائب الرئيس الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، الذي يقال إنه المسؤول عن دعم الإمارات لقوات “الدعم السريع”.
ووفق التحقيق فقد تعاقدت GSSG منذ عام 2024 في الأقل، مع وكالة توظيف أمنية كولومبية تدعى “إنترناشيونال سيرفيس أجينسي” (A4SI) لتوفير مئات الجنود السابقين للعمل في السودان، وفقاً لوثائق مسربة حصلت عليها صحيفة “لا سيلا فاشيا” الكولومبية، وتشير التقارير إلى أن A4SI تخضع لسيطرة العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كيخانو، المقيم في الإمارات، على رغم أن ملكية الشركة مسجلة باسم زوجته كلوديا أوليفيروس.
وتخول عقود موقعة من المرتزقة الكولومبيين شركة GSSG بتحويل رواتبهم إلى شركة في بنما تدعى “غلوبال ستافينغ أس أي”، التي تتولى دفع الرواتب عبر حساب خارجي، وتشغل أوليفيروس منصب مديرة في الشركة البنمية، كذلك فإن موقعي شركتي A4SI و”غلوبال ستافينغ” يستخدمان البنية التحتية نفسها للاستضافة الإلكترونية.
وتقول “سنتري” إن دور GSSG في توفير مقاتلين كولومبيين للقتال في دارفور هو جزء من توجه أوسع في الإمارات، حيث يضطلع الجنود الأجانب بأدوار بارزة، موضحة أن شركات أمنية وعسكرية خاصة ظهرت داخل الإمارات، إحداها جندت عناصر أمن سودانيين للقتال في ليبيا، وأفاد مرتزقة كولومبيون خدموا في السودان بأنهم تلقوا تدريباً على الطائرات المسيرة في أبوظبي، وتم تدويرهم عبر قاعدة عسكرية تسيطر عليها الإمارات في بوصاصو في الصومال.
اشتكي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في أكثر من مناسبة من استمرار وصول الإمدادات العسكرية الخارجية للدعم السريع ما عمق حدة الحرب الأهلية في البلاد (أ ف ب)
وقدمت الحكومة السودانية شكوى إلى مجلس الأمن في سبتمبر (أيلول) 2025، تتهم فيها الإمارات وتذكر بالاسم شركتي GSSG وA4SI بالتدخل في الحرب، وتنفي الإمارات تقديم أي دعم لقوات “الدعم السريع” أو تزويدها بمرتزقة، وتقول إن الاتهامات تستند إلى أدلة “مفبركة”، وكانت “سنتري” قد وثقت سابقاً كيفية سماح الإمارات باستخدام هياكلها القانونية ومصارفها من قبل شركات واجهة تابعة لقوات “الدعم السريع”.
ملف تجنيد المرتزقة، تحدثت عنه تقارير أخرى، إذ بحسب ما نقله أخيراً موقع “ميدل إيست آي” البريطاني فإن الإمارات تقود مساراً سرياً لمد قوات “الدعم السريع” السودانية بالمرتزقة والأسلحة، إذ تعبر رحلات نقل منتظمة، تحمل مرتزقة كولومبيين، وشحنات أسلحة عبر مطار بوصاصو بولاية بونتلاند الصومالية، مشيراً إلى أن طائرة نقل بضائع ثقيلة بيضاء من طراز IL-76، شوهدت وهي متوقفة بجوار طائرة مشابهة جداً، في المطار المذكور، كانت تقوم بعمليات إمداد بالسلاح والمرتزقة، وأن بيانات تتبع الرحلات الجوية أوضحت أن الإمارات زادت بصورة كبيرة من إمدادات الأسلحة إلى بوصاصو، حيث ذكرت الاستخبارات الأميركية أن هذه تشمل طائرات من دون طيار صينية الصنع.
ونقل “ميدل إيست أي” عن مدير كبير في ميناء بوصاصو تقديره أن الإمارات قامت، خلال العامين الماضيين، بتهريب أكثر من 500 ألف حاوية مصنفة على أنها خطرة عبر الميناء كما أظهرت الصور التي حصلت عليها عشرات الكولومبيين يحملون حقائب ظهر وهم ينزلون من طائرة في مطار بوصاصو ويتجهون مباشرة إلى المعسكر، وهؤلاء يعملون كمقاتلين مرتزقة مع قوات “الدعم السريع”.
لماذا تصر أبوظبي على دعم حميدتي؟
أمام سيل التأكيدات للدعم الإماراتي المباشر لقوات “الدعم السريع” وقائدها حميدتي، يطرح البعض الأسئلة حول أسباب تمسك الإمارات بهذا المسار، على رغم الانتقادات الدولية والإقليمية التي لاحقتها على أثره فضلاً عن المخاطرة بسمعتها مع قوات كثيراً ما اتهمت بارتكاب “فظائع وجرائم حرب” في السودان.
في حسابات حكومة أبوظبي، وبينما يقول كثر إن أحد الدوافع الأساسية لدعم “قوات حميدتي” تكمن في منع عودة الفصائل الإسلامية المرتبطة بالجيش السوداني والميليشيات المتحالفة معه، وبعضها مرتبط بنظام عمر البشير السابق، الذي أطيح عام 2019 عقب احتجاجات شعبية، في المقابل يرى آخرون أن الانتظام الإماراتي في الأزمة السودانية يأتي كـ”جزء من حسابات إقليمية مرتبطة بالسياسة والأمن والاقتصاد لا سيما مع الحديث عن مخزونات الذهب السوداني، والاستثمارات الزراعية، والأهمية الاستراتيجية لساحل البحر الأحمر”.
حميدتي-وبن-زايد.jpg
لقاء سابق جمع الرئيس الإماراتي بقائد الدعم السريع حميدتي في أبو ظبي (منصات التواصل الاجتماعي)
ويقول الفريق ركن متقاعد، فتح الرحمن محيي الدين، إن “الانتظام الإماراتي المتزايد في دعم قوات حميدتي يأتي من منطلق استراتيجيتها الساعية إلى الهيمنة على موارد السودان وموانيه على البحر الأحمر، ومن أجل الحصول على ذلك لا بد من العمل على إضعاف وتفكيك الجيش السوداني على غرار ما حدث في مناطق أخرى بالمنطقة”، موضحاً في حديثه معنا “يريدون إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحهم وأهدافهم السياسية”، ورجح محيي الدين “سرعة انتهاء الحرب في السودان في حال سحب الإمارات دعم الميليشيات المتمردة” قائلاً “لن يستغرق الأمر أياماً لو حدث ذلك”.
وكان السودان جزءاً أساساً من محاولة الإمارات توسيع نفوذها الاستراتيجي في تجارة البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، فقبل اندلاع الحرب عام 2023، تقدمت حكومة أبوظبي بعطاء لبناء ميناء جديد في السودان على بعد 125 ميلاً شمال بورتسودان بقيمة 6 مليارات دولار فضلاً عن تطوير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في وادي النيل، وعلى رغم تعطل تلك الخطط فقد استمرت مصالح تجارية أخرى، فجزء كبير من إنتاج الذهب المتنامي في السودان يهرب عبر دبي، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة “سويس إيد”، بما في ذلك الذهب المستخرج من مناجم تسيطر عليها شركة الجنيد المملوكة لعائلة حميدتي.
ويمثل الذهب نحو 49 في المئة من صادرات السودان، وقالت الشركة السودانية للموارد المعدنية، المملوكة للدولة، في فبراير 2025، إن إنتاج الذهب في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش بلغ 74 طناً في 2024، مقارنة بـ41.8 طن في 2022.
وما يعكس أن الإمارات راهنت على حميدتي لحماية مصالحها التجارية، ذكر الفريق فتح الرحمن محيي الدين أنه “منذ مرحلة مبكرة من التطورات السياسية في السودان اعتبرت الإمارات أن حميدتي هو رجلها، وكان مناسباً لفهم أبوظبي مفهوم الرجل القوي فهو خلفية عسكرية، وموقفه مناهض لقوى الإسلام السياسي، وهذا نمط مشترك في كل الأزمات الإقليمية التي تدخلت فيها”.
يقول مراقبون إن الحرب في السودان لم تعد نزاعاً داخلياً صرفاً، بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوحة (مواقع التواصل).jpg
لم تعد الحرب في السودان نزاعاً داخلياً بل تحولت إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوحة بعد زيادة الإمارات لدعمها لمليشيا الدعم السريع (أ ف ب)
ويتفق مع محيي الدين، مساعد وزير الخارجية المصري السابق نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية السفير صلاح حليمة قائلاً في حديثه معنا إن “الصراع القائم في السودان هو صراع قائم على السلطة والهيمنة والثروة والنفوذ بأبعاد مركبة ومتشابكة بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وهو ما انعكس في مساندة طرف في مواجهة الطرف الآخر”.
وتابع حليمة أن “المحور الذي يدعم قوات حميدتي والمكون من الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل على رغم أنها ميليشيات مدانة إقليمياً ودولياً بارتكاب جرائم حرب وجرائم إنسانية وقتل وتدمير ونزوح ولجوء بالملايين، وهي إدانات موثقة، فإن مدى الترابط بين الطرفين يعود إلى أسباب اقتصادية وسياسية بالأساس”، موضحاً “تملك الإمارات مصلحة مباشرة في دعم قوات حميدتي في ضوء المصالح الاقتصادية والأمنية التي تربطها به، لا سيما في ما يتعلق بتصدير كميات كبيرة من الذهب إلى الإمارات وامتلاك ’الدعم السريع‘ استثمارات واسعة في الدولة الخليجية تعتمد بالأساس على تجارة الذهب وهو ما يعني مصالح مباشرة لحكومة أبوظبي”.
وقبل أكثر من عام فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ما سمته “شركة واجهة” لقوات “الدعم السريع”، وأدرجت سبع شركات إماراتية قيد التحقيق للاشتباه في ارتباطها بالمجموعة شبه العسكرية. ويعيش شقيق الجنرال حمدان، ألغوني حمدان، البالغ من العمر 34 سنة، في دبي منذ عام 2014، وقد تم استهدافه من قبل العقوبات الأميركية.
في المقابل يتمسك آخرون بأن الهدف الأساس للإمارات يبقي في منع عودة الإسلاميين إلى المشهد، إذ نقلت صحيفة “فاينانشيال تايمز” عن الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله قوله إن “هذه الحرب لا تهدف إلى شيء سوى عودة الإسلاميين لحكم السودان”، مضيفاً “الإمارات ربما تكون واحدة من دول قليلة في العالم أدركت هذه الحقيقة وتقوم بخطوات لمواجهتها”، مؤكداً أن أبوظبي تقدم الدعم للمدنيين وليس الأسلحة لقوات “الدعم السريع”

