كيف حُيِّد العراق

4

 

من مشروع دولة إلى إدارة انقسام؟

 

لم يكن ما جرى للعراق بعد عام 2003 مجرّد إسقاط نظام سياسي، بل كان تفكيكًا ممنهجًا لفكرة الدولة ذاتها، وإعادة تعريف العراق لا بوصفه كيانًا سياديًا، بل مساحة نزاع داخلي قابلة للإدارة.

هكذا انتقل العراق من لاعب إقليمي، يحمل مشروعًا قوميًّا ودورًا واضح المعالم، إلى ساحة مفتوحة لصراعات الهوية، ومختبر دائم لتوازنات لا تُنتج دولة.

من الخطر الخارجي إلى الأزمة الداخلية

قبل الاحتلال، كان العراق يُشكّل عنصر إزعاج حقيقي في المعادلة الإقليمية، دولة مركزية، جيش، خطاب سياسي قومي وعابر للطوائف، وطموح للعب دور يتجاوز الحدود.

هذا النموذج، في منطق الفاعل الدولي، لا يُحتوى بسهولة، ولا يُدار بأدوات ناعمة، وكان لا بد من تحييده لا مواجهته فقط.

فكان الخيار الأذكى ، والأقل كلفة ، هو نقل الصراع، من صراع مع الخارج

إلى صراع داخل المجتمع نفسه.

وتفكيك الهوية الوطنية بوصفها أداة حكم .

ما أُعيد بناؤه بعد 2003 لم يكن “عراقًا جديدًا”، بل نظام إدارة انقسام,

هوية وطنية مؤجَّلة

طوائف متقابلة

قوميات متنافسة

ودولة بلا تعريف حاسم

لم تُبنَ الدولة على أساس المواطن، بل على أساس “المكوّن”.

وهنا كانت الضربة الأعمق،

حين تُعرِّف الدولة نفسها عبر الهويات الفرعية، فإنها تعترف مسبقًا بعجزها عن أن تكون مرجعية جامعة.

إخراج العراق من معادلة الصراع القومي

لم يعد العراق طرفًا في أي مشروع عربي أو إقليمي واضح.

لا مواجهة، ولا قيادة، ولا حتى موقف.

تم تفريغه من رمزيته، وتحويله من نموذج محتمل إلى حالة تحذيرية،

“هكذا يكون مصير الدول التي تحاول الخروج عن المسار المرسوم”.

لم يكن ذلك عقابًا أخلاقيًا، بل قرارًا استراتيجيًا،

العراق القوي خطر،

أما العراق المنقسم فهو قابل للترويض.

الطائفية، من انقسام اجتماعي إلى وظيفة سياسية

الأخطر أن الطائفية لم تُترك كحالة اجتماعية، بل جرى تحويلها إلى أداة حكم.

تُستدعى عند الأزمات،

وتُجمَّد عند التسويات،

وتُستخدم لتبرير الفشل، لا لمعالجة أسبابه.

وهكذا نشأ نظام يعيش على إدارة التوتر، لا على حسمه،

ويخشى قيام هوية وطنية لأنها تعني نهاية دوره.

العامل المحلي، الشريك الصامت

ومع ذلك، فإن تحميل الفاعل الدولي كامل المسؤولية هروب من الحقيقة.

فالتفكيك ما كان لينجح لولا قبول ، بعض النخب المحلية جعلت من الانقسام رأس مال سياسي، ومن ضعف الدولة ضمانة لبقائها.

الفاعل الدولي فتح الباب،

لكن هناك من سكن الخراب ووسعه… 

الم يفشل العراق لأنه متعدّد الهويات،

بل لأنه حُرم من هوية الدولة.

لم يُنهَ مشروعه القومي ليُستبدل بمشروع وطني جامع،

بل أُسقط دون بديل،

فملأ الفراغ صراع الداخل وتدخّل الخارج.

وإلى أن يُحسم السؤال الجوهري،

من هو العراق؟ ولمن الدولة؟

سيبقى البلد معلّقًا بين تاريخ أُريد كسره،

وسياسة لا تريد له أن ينهض .

التعليقات معطلة.