د. سعود محمد العصفور
لغة الأطفال تختلف عن الكبار، وربما لا يفهمها إلا من عايشهم، وشعر بأحاسيسهم، والأم هي الأقرب في فهمها، والأب يشاطرها في الفهم، لكن قد تغيب عنهما أحياناً مفرداتها اللانطقية الرمزية، ويبدو الضجر والبكاء والعناد والسرور هي وسائل تعبيرية، قد تخفي وراءها ما يفرح، أو ما يحزن، أو ما يغضب.
إن تكرار البكاء واستمراره طويلاً دليل على عدم تقبل الطفل لأوامر لا يود تنفيذها البتة، ويأتي الرضوخ لها محبطاً لإرادته، التي لا يملك الدفاع عنها تذمراً، وقد يلجأ للتعبير عنها في نومه المتقطع، الذي قد تحسبه الأم من ألم طرأ عليه، فتعمد إلى ما تظن أنه يخفف عليه آلامه من عقاقير دوائية وغيرها، والأمر ينطبق على استيقاظه من نومه وطريقة الاستيقاظ، والأمر برمته ردة فعل للرفض، الذي لم يقتنع الطفل بإسكاته دون تحقيق رغبته الملحة.
أما العناد فهو ردة فعل على عدم تحقيق بعض رغباته، فقد يرفض تناول الأكل، أو الانتهاء عن فعل غير مقبول للوالدين، وهذا الأمر يولّد عند الطفل رغبة في العناد في كل أمر يفرض عليه لاحقاً، ولا شك أن لهذا الأمر خطورته، انه يولد طفلاً عنيداً رافضاً لكل الأوامر، والأصح أن يكون الإقناع، لا الكبت، وسيلة لتفادي هذا السلوك غير المقبول.
أما الضجر فقد يكون وسيلة معبرة عن الرغبة لتحقيق شيء يحبه الطفل ويألفه ويسر به، وتأتي الأوامر من الوالدين لتقطع فرحته وسبب سعادته بذرائع لا يقتنع بها، مثل الذهاب مباشرة للنوم، أو تناول وجبة طعام في وقت غير محبب له، وتكون ردة الفعل ضجراً وصياحاً وبكاءً، الأمر الذي يولّد طفلاً غير سوي في تقبله للأوامر الصادرة دون تفسير مفهوم لديه، وكأنها تنغيص لسعادة حياته.
وأما السرور الذي يبديه الطفل لشخص ما، فإنه في حقيقته وجد أسرار السعادة عنده، لا لتهاونه في تربيته، بل يلبي رغباته الملحة فيما يحب ويكره دون إسراف، فيشعر بمحبته وقربه إليه، وقد تكون المحبة جارفة، فما إن يراه حتى تظهر عليه علامات السرور والحبور، بل يعتقد أنه وحده الذي يملكه ويسهر على راحته، وتبدو الأم حينها في منتهى الغيرة أن تلك المحبة الخالصة من الطفل أضحت لغيرها، فتظهر لطفلها الود والوداد، لكن ردة فعل الطفل حينها عكسية، فيرفضها، ويسعى جاهداً لإفهامها أن رغباته قد تحققت في وجود هذا الشخص دون رغابتها المخالفة لفطرته.
إنها لغة الطفل الجميلة، وحاجتنا الملحة في فهمها، دون تفريط ولا إسراف، فإن من ردات الفعل غير معبّرٍ عنها بالنطق هي ردات فعل ضرورية الفهم والإحاطة، ويجب ألا تكبت لأنها ستنعكس على شخصيته مستقبلاً سلباً أو إيجاباً.
د. سعود محمد العصفور

