لماذا ترفض القاهرة اعتماد سلالة قمح مقاومة للجفاف؟.. طورها عالم مصري

1



القاهرة- عربي21

سلالات “عرابي” توفر نصف المياه وتضاعف الإنتاج لكنها واجهت رفضا استمر أكثر من 14 عاما- جيتي

يعد ملف الزراعة المصري إحدى الملفات التي طالتها يد الإهمال في عهد رئيس النظام الحالي عبدالفتاح السيسي، خاصة مع عجزه عن حل أزمة مياه نهر النيل مع إثيوبيا، واتهام المعارضة له بالتسبب في ضياع حصة مصر التاريخية (55 مليار متر مكعب سنويا)، إلى جانب تهميش الفلاح، وإهمال أراضي الدلتا، والاهتمام بالمشروعات الزراعية التابعة للجيش.

وتقدم الخبير الزراعي والأكاديمي المصري الدكتور سعيد سليمان ببلاغ إلى السيسي، وهيئة الرقابة الإدارية، يشكو عرقلة “مركز البحوث الزراعية” (حكومي) اعتماد أصناف أرز وقمح باسم “الجفاف عرابي”، رغم ما تقدمه من إنتاج يعادل ضعف إنتاج السلالات المعتمدة واستهلاكها مياه أقل بمقدار النصف ما يدعم الأمن الغذائي والمائي لنحو 109 ملايين مصري يقيمون في الداخل.

وعبر صفحته بـ”فيسبوك”، أعلن أن هناك من يعرقل مسار الزراعة المصرية لتظل تحت رحمة الاستيراد من الخارج، وهو الأمر الذي يقوم به جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” التابع للجيش والذراع الاقتصادي الجديد للسيسي، وفق تكليفات حكومية للجهاز العسكري تمنحه حق استيراد وتصدير السلع وخاصة الحبوب.

كيف يكون المنافس حكما؟
وحكى العالم المصري، أزمته وفريقه، قائلا: “نجحنا في جامعة الزقازيق في استنباط سلالات من الأرز مقاومة للجفاف، والملوحة، ولمرض اللفحة، ومبكرة النضج، وتزيد في المحصول بمقدار طن عن مثيلاتها على الأقل في الفدان، وهي أصناف: (عرابي 1)، و(عرابي 2)، و(عرابي 3)، و(عرابي 4)، و(عرابي 5)، و(عرابي 6) -نسبة إلى الزعيم المصري أحمد عرابي (1841-1911)”.

وأضاف: “حصلنا على براءات الاختراع لهذه الأصناف؛ ولكن لا نستطيع نشرها كي يستفيد منها المزارع إلا بأمر (مركز البحوث الزراعية)”، مشيرا إلى مفارقة أن “رئيس (لجنة تسجيل الأصناف النباتية) هو نفسه (رئيس مركز البحوث الزراعية)”، متسائلا: “بأي منطق يكون رئيس أحد جهات إنتاج الأصناف النباتية هو من يقيم أصناف باقي الجهات؟، وكيف يكون المنافس حكما؟”.

موقف مريب من الوزارة
أستاذ علم الوراثة بكلية زراعة جامعة الزقازيق، بين أن وزير الزراعة الحالي وإثر مطالبته بتشكيل لجنة محايدة جاء “الرد بأن نتفاهم مع رئيس مركز البحوث؛ وذلك رغم مرور 12 عاما من الصراع ورفض تسجيل الأصناف”، ملمحا إلى أنه “بعد مخاطبة رئاسة الجمهورية والرقابة الإدارية شكل الوزير السابق السيد القصير لجنة عام 2023 من 10 أساتذة اختبروا صنفي (عرابي 3)، و(عرابي 4)”.
اقرأ أيضا:

غضب من توجه مصر لإنتاج الألعاب النارية بالتزامن مع حرب إيران

وأوضح أن “التجارب أثبتت تفوقهما في الإنتاجية، وتوفيرهما للمياه بمقدار النصف، ومقاومتهم لمرض اللفحة، وذلك بالمقارنة بأصناف مركز البحوث الزراعية، وبناء عليه تم تسجيل الصنفين بالقرار (120 لعام 2024)، بعد 14 عاما من الصراع مع وزارة الزراعة والمركز”، مضيفا: “وتقدمنا بطلب لتشكيل لجنة محايدة لتقييم وتسجيل أصناف أرز (عرابي 5)، و(عرابي 6)، فلم يستجيب الوزير”.

رفض قمح عرابي.. ما علاقة المستوردين؟
وفي ذات السياق، أكد الخبير الزراعي، أنه وفريقه العلمي نجحوا في “استنباط 4 أصناف من القمح مبكرة النضج، مقاومة للصدأ، عالية المحصول، مقاومة للجفاف، والملوحة، أيضا، وحاصلة على براءات اختراع؛ وتقدمنا لتسجيلها وتم رفضها أيضا من قبل المركز”، مبينا أنهم طلبوا “تشكيل لجنة محايدة”، الأمر الذي قوبل بالتسويف من قبل وزارة الزراعة.

ووصف الأمر بأنه “استهتار فج بمقدرات الوطن”، ومبينا أنه على سبيل المثال إذا ما تم تسجيل “أصناف أرز الجفاف عرابي وتعميم زراعتها يمكننا زراعة ٢ مليون فدان بالمياه المخصصة لمليون فدان، مع زيادة الإنتاجية بمقدار 2 مليون طن على الأقل”، فيما أشار في موضع سابق إلى أنه “لديه تجارب في فول الصويا ترفع الإنتاج إلى 2 طن للفدان”.

وقال إن “هناك الكثير مما نرفض الإفصاح عنه”، مضيفا: “أتقدم بهذا البلاغ وأؤكد أن هناك من يعمل على تدمير الزراعة المصرية حتى نظل تحت رحمة المستوردين”، مطالبا رئاسة الجمهورية وهيئة الرقابة الإدارية، بالتدخل لتشكيل لجنة محايدة لتسجيل جميع الأصناف النباتية وليس أصناف عرابي فقط”.

وفي رؤيته لتجاوز هذه الأزمة، دعا الخبير الاقتصادي والبرلماني المصري الدكتور محمد فؤاد، إلى “صياغة تشريع محكم يقنن التعامل مع (التقنيات الزراعية المتطورة)، مع التركيز بشكل خاص على المحاصيل المعدلة وراثيا.

وأشار في حديثه لـ”عربي21″ إلى “وجود تضارب واضح بين مصالح فئة من المستوردين والموردين وبين الصالح العام في هذا الملف الحيوي، معتبرا أن استمرار هذا الوضع يبقي قطاع الزراعة رهنا للاستيراد ويقوض مساعي الاكتفاء الذاتي”.

ماذا عن موقف الدولة؟
ويتوافق موقف وزارة الزراعة، ومركز البحوث الزراعية، بعدم اعتماد أرز وقمح “الجفاف عرابي”، بشكل مثير للتساؤلات مع موقف رئاسة الوزراء المصرية التي تولى دعم ملف استيراد الحبوب اهتماما خاصا، مقابل إهمال باد في ملف الاكتفاء من الحبوب وخاصة القمح، وهو ما تشير إليه بعض القرارات والتصريحات الحكومية.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أطلق رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، تصريحا يشير إلى خروج الاكتفاء الذاتي من القمح من أولويات حكومته مع اهتمامها في المقابل بمحاصيل أخرى تصديرية.

إذ قال إن “مصر تعاني أزمة عجز مائي متفاقمة، وبالتالي تحتاج لترشيد استهلاك المياه والاستفادة منها”، معلنا أن “التوسع بزراعة القمح سيؤدي للتوقف عن زراعة محاصيل أخرى مهمة للدولة، تصدرها للخارج مقابل عملة صعبة”.

وهو التصريح الذي يأتي في ظل قرارات حكومية بتقليص المساحات المنزرعة من الأرز والقصب والذرة، لتوفير مياه الري خاصة مع وصول أزمة مياه النيل مع إثيوبيا لطريق مسدود، والتي قابلتها الحكومة المصرية باللجوء إلى تحلية مياه الصرف الصحي واستخدامها للري، وإغفال الأبحاث الزراعية والبذور والسلالات الجديدة التي ترشد استهلاك المزروعات للمياه، بحسب رؤية محللين.
اقرأ أيضا:

السيسي يشيد بتجربة السجون ويتجاهل أوضاع 100 ألف معتقل سياسي

ويصل الإنتاج المحلي من القمح 10 ملايين طن مع زراعة 3.5 مليون فدان، ما يغطي 48 بالمئة من الاستهلاك السنوي البالغ حوالي 20.3 مليون طن، تعتمد فيه على استيراد العجز، بتكلفة حوالي 3.5 مليار دولار سنويا.

وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وجود اكتفـاء ذاتي مــن الأرز بنسبة 99 بالمئة عـام 2024، مع زيادة الإنتاج المحلي بنسبة 44.8 بالمئة والمساحة المنزرعــة لـ 40.9 بالمئة، فيما ينتج الفلاح المصري نحو 10 ملايين طن سنويا بحسب وزارة الزراعة.

ورغم تحسن إنتاج مصر من الأرز عن السنوات الماضية وغياب أزمة توافره محليا التي شهدت ذروتها عامي 2022 و2023، وفتح تصديره بموافقة حكومية لـ”جهاز مستقبل مصر” العام الماضي، يجري استيراد أنواع عديدة من الأرز الصيني، وفق تأكيد رئيس شعبة الحبوب باتحاد الصناعات رجب شحاتة، لصحيفة “الوفد”.

فتش عن المستفيد
في كانون الثاني/يناير الماضي، كشف عضو مجلس النواب أحمد فرغلي، عن تربح جهاز “مستقبل مصر” من استيراد القمح وزيت الطعام على حساب المصريين، مؤكدا في “طلب إحاطة” أنه يستوردهما ثم يوردهما للحكومة المصرية بأكثر من السعر العالمي بـ30 دولارا للطن في الأولى و150 دولارا للطن في الثانية.

ومنذ تأسيسه بقرار جمهوري عام 2022،أصبح جهاز “مستقبل مصر”، التابع للقوات الجوية والذراع الاقتصادي الجديد للسيسي، اللاعب المحوري في ملف الأمن الغذائي، ومنحته الحكومة حق استيراد الكثير من السلع بينها الحبوب كالقمح والأرز، وحق تصدير الأرز والسكر الفائض عن حاجة الاستهلاك المحلي.

وفيما يخص الأرز، فقد شهد عام 2023 تدخل الجهاز لضبط الأسواق بعد أزمات النقص الحادة، وبموجب تكليفات رسمية، قام بشراء الأرز من المزارعين وتخزينه في صوامعه العملاقة، ثم أعاد طرحه في الأسواق وتصدير الفائض منه، ليصبح المتحكم في بورصة الأرز، وسحب ملفي التصدير والاستيراد من مضارب الأرز التابعة للقطاع الخاص.

ولا يكتفي الجهاز العسكري بإمداد الحكومة بحاجتها من الحبوب لكن مع تعاظم أعماله بقطاع “تجارة التجزئة” يقوم بتوزيعها عبر 2000 منفذ ونشاط تجاري بالقاهرة والمحافظات حتى 2027، افتتح منها 1405 منفذا، كان آخرها قبل شهر رمضان بمدن: رشيد، والمنصورة، والإسكندرية.

وفي 13 شباط/ فبراير الجاري، وتحت عنوان: “توسّع مستمر، وخدمات أقرب لكل بيت”، أعلن أنه يواصل التوسع في منافذ “سوبر توفير”، وعبر العلامة التجارية “خيرها”، يوفر 20 سلعة استراتيجية أساسية أبرزها: الأرز، السكر الزيت، الدقيق، البقوليات، والخضروات المجمدة، ما يشير إلى أن ملف استيراد وتصدير الحبوب يشكل قطاعا حيويا في عمل الجهاز وتربحه من الاستيراد ومن البيع للجمهور.

آخر التحركات في هذا الاتجاه؛ تمثلت في تصدير “مستقبل مصر” للسكر، قبيل شهر رمضان ما تسبب في ارتفاع سعره من 24 إلى 27 و30 جنيها، واستفادة الجهاز العسكري من أزمة ارتفاع أسعار الدواجن التي وصفها التجار والمنتجين بالمفتعلة ووصلت بسعر الكيلو من نحو 80 إلى 105 جنيه قبل رمضان، بالحصول على حق استيرادها.

ويقوم “مستقبل مصر”، على الأمرين بتصدير السكر وفقا لقرار احتكره به في كانون الثاني/ يناير الماضي، واستيراد الدواجن إثر اجتماع رئيس الجهاز العقيد بهاء الغنام مع وزيري الزراعة والتموين، 8 شباط/ فبراير الجاري، إلى جانب حق تصدير الأرز الفائض في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

طوق النجاة والدولة العميقة
وردا على طلب “عربي21″، التعليق على شكوى العالم المصري، انتقد المهندس الزراعي والسياسي المصري، فؤاد سراج الدين، أزمة “الروتين”، و”عدم تعاون مركز البحوث الزراعية معه”، و”وجود من يقصد إهمال أبحاثه”، ملمحا إلى إمكانية “تحقيق الاكتفاء الذاتي من تلك المحاصيل”.

وأكد عبر صفحته بـ”فيسبوك”، أن “علم الوراثة سر تقدم ورقي ونجاح الدول؛ وتستخدمه الصين بجميع أبحاث الزراعة في النبات والحيوان والطيور والأسماك، فنجحت في كفاية شعبها”، مضيفا: “مصر ولادة؛ وكم من المبدعين ضاعوا بمتاهات الدولة العميقة وهم طوق النجاة الحقيقي لتنمية وازدهار الوطن”.

اعتبارات أخرى
وعلى الجانب الآخر، قلل خبير زراعي، مصري من فكرة وجود تعنت مع العالم الدكتور سعيد سليمان من قبل مركز البحوث الزراعية، موضحا أن “هذا التعنت كان في عهد وزير الزراعة الشهير الوزير يوسف والي، في عهد حسني مبارك، ولكن قد تكون هناك اعتبارات أخرى لدى رئيس مركز البحوث الزراعية حاليا”.
اقرأ أيضا:

هل يدفع السيسي بـ”الأكاديمية العسكرية” بدلا من الكليات النظرية؟

وقال لـ”عربي21″، مفضلا عدم ذكر اسمه: “هذا موضوع حساس، وهو إنتاج فكري يعمل فيه الدكتور سعيد، منذ 30 عاما حول الأصناف التي تتحمل الملوحة والإجهاد الحراري والجفاف، وقد ترى اللجنة أن الصنف جيد وإنتاجه عالي جدا لكن قد يؤثر على الأصناف المعتمدة والناجحة منذ سنوات”.

ويرى أنه “لذلك فهناك اعتبارات يجب الاطلاع على نتائجها لكي يفصل أي عالم في صحة موقف المركز من عدمه، كما أن تفاصيل العمل البحثي غير متاحة للحكم عليها كما أن الدكتور سعيد عرض أرقاما قد تكون بها بعض المبالغة حول توفير سلالاته (1000 متر مكعب) وهي نصف كميات المياه التي تستهلكها أصناف مركز البحوث (2000 متر مكعب)”.

التعليقات معطلة.