اعتبرت طرابلس كارلوس ورقة تفاوض ضيّعتها الخرطوم عندما سلمته إلى باريس عام 1994 من دون التشاور معها
حامد الكناني كاتب وباحث
كارلوس الثعلب ورقة سياسية فقدتها ليبيا(اندبندنت عربية)
ملخص
رأت ليبيا أن كارلوس الثعلب يمكن أن يُستَخدم كورقة مساومة سياسية في سياق أزمتها مع الغرب، لا سيما مع بريطانيا في ظل قضية لوكربي والعقوبات الدولية، ولذلك أبدت استياءً من الطريقة التي أدارت بها الحكومة السودانية القضية، واعتبرت أن تسليمه السريع إلى فرنسا حرمها من فرصة تفاوض غير مباشرة. فمن هو كارلوس الثعلب؟ وما قصته التي دارت بين طرابلس والخرطوم وباريس؟
في الرابع من سبتمبر (أيلول) 1994، ومن مقر قسم المصالح البريطانية في طرابلس، صدر تقرير موجه إلى الآنسة كارول بريستلي في إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية والكومنولث، تضمن ملخصاً لأحداث أغسطس (آب) 1994 في ليبيا، ووقعه ألن براون من قسم الشرق الأوسط في إدارة البحث والتحليل، مع نسخة مرسلة إلى الممثلية البريطانية في واشنطن.
التعاون الليبي – المصري
افتتح التقرير بعرض عام للأوضاع في ليبيا، أشار فيه إلى وجود خطوات عملية باتجاه التعاون الليبي -المصري، على رغم اعتماد الصحافة الليبية نبرة سلبية في تناول هذا التقارب، كذلك لفت إلى ما عُد أخطاء بريطانية متكررة في نظر الخطاب الإعلامي الليبي، وإلى قضية كارلوس، وإلى توصيف عملية السلام في الشرق الأوسط بوصفها “خيانة”، فضلاً عن استمرار عقوبات الأمم المتحدة، والاستعدادات الجارية للاحتفال بالذكرى الـ25، وما وُصف بمتعة ممزوجة بالفوضى على الحدود.
وفي التفاصيل، أشار التقرير إلى أن اجتماعات اللجنة العليا الليبية – المصرية المشتركة، التي عُقدت في أوائل أغسطس، شكلت خطوة نحو اندماج أوثق بين البلدين، لا على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل على مستوى المجتمعين أيضاً، فقد شملت الاتفاقات الـ10 التي جرى إقرارها مجالات الأمن والتعليم إلى جانب الاقتصاد، وقد عكست التغطية الإعلامية المحلية لهذه الاجتماعات قدراً كبيراً من الإشادة، باستثناء صحيفة “الشمس” التي اتخذت موقفاً نقدياً.
كارلوس 1.jpg
تقرير دبلوماسي بريطاني سري يسلّط الضوء على التطورات السياسية في ليبيا (الأرشيف البريطاني)
وذكر التقرير أن صحيفة “الشمس”، فيما بدا أنه رد على ما نُشر في صحيفة “الأهرام” المصرية، أشارت إلى أن الوفد المصري كان يرغب في مناقشة القضايا ذات الاهتمام المباشر لمصر فقط، وأنه ركز على المشاريع داخل مصر التي سيمولها الليبيون، كذلك رفض مناقشة قضية لوكربي، وفي هذا السياق، غذت شائعات عن تقليص حجم البعثة الليبية في القاهرة، وعدم قدوم الرئيس حسني مبارك في الأول من سبتمبر، تكهنات في طرابلس بأن العلاقات بين البلدين عادت إلى مستوى أقرب إلى الطبيعي.
ومع ذلك، رأى كاتب التقرير أن هذه الاتفاقات تعكس نهجاً أكثر عملية وواقعية مقارنة بإعلانات القذافي السابقة، التي كانت تفترض تحقيق الوحدة العربية بضربة قلم أو بجرافة، وأشار إلى أن تلك اللحظات التاريخية، وإن لم تُنسَ تماماً، أو بالأحرى نُسيت ثم يُعاد تذكير الناس بها كل بضعة أشهر، كانت تُستحضر من خلال الاحتفال المتكرر بإحدى ذكريات إعلان الوحدة مع المغرب أو الجزائر أو تونس أو مصر أو سوريا أو السودان، وغالباً ما يُضاف إلى ذلك تعليق مفاده أن الغرب السيئ النية هو من أفسد تلك المشاريع.
كارلوس الثعلب وغضب الإعلام الليبي
وتطرق التقرير إلى صورة الغرب في الخطاب الليبي، واصفاً إياها بأنها بلا حدود في الشر، فقد أثار إرسال 60 جندياً بريطانياً للمساعدة في توزيع الغذاء على اللاجئين الروانديين ردود فعل غاضبة في وكالة الأنباء الليبية “جانا”، التي نشرت تعليقاً هاجم “بريطانيا العجوز المتهالكة، العاجزة عن حل مشكلاتها”، واعتبرت الخطوة دليلاً جديداً على أطماعها في القارة الأفريقية التي “تُقسم مجدداً بين القوى العظمى”.
كارلوس 2.jpg
ليبيا تواصل انتقاد الغرب ورفض مسار السلام في الشرق الأوسط مع التعليق على أزمات مثل رواندا وقضية كارلوس الثعلب (الأرشيف البريطاني)
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن الصحافة البريطانية “أخطأت مرة أخرى” عند تناولها خبر القبض على كارلوس، إذ ذكرت صحيفة “الاندبندنت”، في استعراضها مشهد الإرهاب، أن ليبيا كانت قد عرضت في وقت ما تسهيلات لهذا الرجل، وقد استُغل هذا التعليق في ليبيا باعتباره جزءاً من “الحملة الصليبية اليهودية المدفوعة بالكراهية ضد العرب والمسلمين”، ووُجهت إدانات روتينية أخرى للغرب بسبب “إيوائه” معارضين عرباً، وبسبب قضية تسليما نسرين من بنغلادش.
وعلى رغم ذلك، لم يثر اعتقال كارلوس كثيراً من التعليقات الأخرى علناً، غير أن التقرير أشار إلى أن الليبيين كانوا غاضبين من السودانيين بسبب إدارتهم القضية، فقد فضلوا أن تتم استشارتهم قبل تسليمه، وأن يحصلوا على مقابل ما، مع تساؤل ضمني عما إذا كان ذلك قد يشمل المشتبه فيهم في قضية لوكربي.
تصور القذافي لدور ليبيا في مواجهة الغرب
وفي ما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، ذكر التقرير أنها استمرت في جذب تعليقات ساخرة في الصحافة الليبية، وأسفرت عن عدد من الرسوم الكاريكاتيرية اللافتة، وقد جرى تأكيد أن “توقيع ياسر عرفات على وثائق الاستسلام” لم يكن ولن يكون كافياً لإقناع المقاتلين الفلسطينيين بإلقاء السلاح، أما النوايا الأميركية تجاه سوريا فقد وُصفت بأنها موضع حيرة، مع تأكيد أن السوريين لن يتزحزحوا عن مواقفهم.
كارلوس 3.jpg
تقييم بريطاني سري للوضع الليبي يركّز على موقف ليبيا تجاه العقوبات الدولية واستغلالها لدعم بعض الدول كراحة نفسية (الأرشيف البريطاني)
وعلى النقيض من ذلك، لم تحظَ إعادة فتح معبر العقبة – إيلات، وغيرها من مظاهر التعاون بين الأردن وإسرائيل، إلا بقدر ضئيل من التعليق، اقتصر في الغالب على وصفها بأنها خيانة لسوريا. وفسر التقرير هذا الموقف بالقول إن الأردن يُعد، من وجهة النظر الليبية، قضية خاسرة، في حين تبقى سوريا حصناً، وإن كان بحاجة إلى تدعيم، وإذا سقطت سوريا، فلن يبقى، بحسب هذا التصور، سوى ليبيا كدولة مواجهة مستعدة لمواصلة النضال، وهو الدور الذي قد يستمتع القذافي بإبرازه علناً، لكنه قد يندم عليه سراً.
أما في ما يتعلق بالعقوبات الدولية، فقد أشار التقرير إلى أن آمال ليبيا من مراجعة قرار مجلس الأمن رقم 748 في الخامس من أغسطس لم تتحقق، وإن لم تكن النتيجة مفاجئة تماماً، وربما استمد الليبيون بعض العزاء من مواقف روسيا ونيوزيلندا والأرجنتين، مع احتمال أن تكون آمالهم أعلى في المراجعة المقبلة، وذكر التقرير أن السفير الروسي أطلع كاتبه على ترجمة لبيان زميله في نيويورك، وشرح أن استمرار دعم حكومته العقوبات المفروضة على ليبيا أصبح أكثر صعوبة، وعندما سُئل عما إذا كان ذلك قد يعني استحالة الاستمرار في المرة القادمة، أطلق ضحكة وُصفت بالغريبة.
جمال مزيف وفوضى على الحدود
وعلى الجانب الأكثر إشراقاً، رصد التقرير مظاهر تجميل طرابلس استعداداً لاحتفالات الأول من سبتمبر، فقد نُصبت أعمدة إنارة أنيقة جديدة، وإن لم تكن جميعها تعمل، ورُسمت خطوط بيضاء جديدة في منتصف الطرق، كذلك استُبدلت بالأرقام الضخمة “24” التي زينت المباني منذ العام السابق الرقم “25”، ووصف الكاتب مشهد بالون أصفر كبير يتمايل مربوطاً بخيط فوق ساحة حجز السيارات التابعة للشرطة، الذي كان يراه من نافذته، كذلك أُزيل مكب النفايات من زاوية جدار مقر الإقامة، ربما نتيجة شكوى قُدمت إلى إدارة المراسم في شأن الجرذان، إلا أن القمامة عادت لاحقاً.
كارلوس 4.jpg
تقرير سري بريطاني يوصف فوضى وإشكالات تنظيمية على حدود ليبيا أثناء مرور رئيس وزراء النيجر (الأرشيف البريطاني)
وتناول التقرير تجربة عبور الحدود في رأس جدير منتصف أغسطس، حين كان الاضطراب المعتاد أسوأ بسبب إنشاء مسارات مرورية ومكاتب نظامية جديدة، يُرجح أنها أُقيمت لإبهار رؤساء الدول الزائرين، وأبدى الكاتب حنيناً إلى “تحدي” النظام القديم، الذي كان يقوم على البحث عن الشخص المناسب في الكوخ المتهالك المناسب، والتدافع، والمجادلات الصاخبة بالعربية الركيكة حول سبب ادعائه أنه دبلوماسي من دون جواز دبلوماسي، ولماذا يعمل، بصفته بريطانياً، في السفارة الإيطالية، وقد وصف شعور الخروج أخيراً، مغبراً لكن منتصراً، مع الختم الصحيح في الجواز الصحيح. وأورد تعليقاً لزميل ماليزي، كان مستمتعاً بالمشهد، وتنبأ بأن القذافي سيهدم هذه المنشآت الجديدة مجدداً في الثاني من سبتمبر.
وأشار التقرير كذلك إلى مرور رئيس وزراء النيجر عبر الحدود في وقت متأخر من مساء الـ29 من أغسطس، مرجحاً أنه لم يكن معجباً بالتجربة، فعلى رغم استخدام المرافق الجديدة، ظل موظف هجرة مخضرم جالساً، كعادته، على كرسي في منتصف الطريق على بعد نحو ميلين، في ظلام دامس بسبب تعطل أضواء الشوارع، وقد استولى هذا الموظف على سيارات الشرطة المرافقة لرئيس الوزراء، وأمرها بتسليط أضوائها عليه ليتمكن من قراءة جوازات السفر، ويُقال إن رئيس الوزراء بقي هناك نحو ساعة.
كارلوس الثعلب: الورقة السياسية المفقودة لليبيا
إلييتش راميريز سانشيز، المعروف بلقبه الحركي “كارلوس الثعلب”، وُلد في الـ12 من أكتوبر (تشرين الثاني) 1949 في فنزويلا لأسرة ثرية ودرس في موسكو، تنقل بين لندن ولبنان، حيث انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدافع تعاطفه مع القضية الفلسطينية، خلال الحرب الباردة تلقى دعماً من الاتحاد السوفياتي وبعض دول الشرق الأوسط، ونفذ عمليات مسلحة في أوروبا، أبرزها احتجاز وزراء نفط “أوبك”، اعتُقل في السودان عام 1994 ونُقل إلى فرنسا، مما أثار غضب ليبيا التي كانت تعتبره ورقة سياسية مهمة.
يبدو أنه كانت هناك قناعة لدى ليبيا في ذلك الوقت بأن كارلوس “الثعلب” كان ورقة تفاوض محتملة، وأن الخرطوم ضيعتها عندما سلمته إلى باريس عام 1994 من دون التشاور معها، ويتضح ذلك من الموقف الليبي غير المعلن رسمياً، لكنه المتداول دبلوماسياً آنذاك.
اقرأ المزيد
لعنة لوكربي على ليبيا كما ترويها الوثائق البريطانية (1)
لعنة لوكربي على ليبيا كما ترويها الوثائق البريطانية (2)
لعنة لوكربي على ليبيا كما ترويها الوثائق البريطانية (3)
يبدو أن ليبيا رأت أن كارلوس يمكن أن يُستَخدم كورقة مساومة سياسية في سياق أزمتها مع الغرب، لا سيما مع بريطانيا في ظل قضية لوكربي والعقوبات الدولية، أبدت استياءً من الطريقة التي أدارت بها الحكومة السودانية القضية، واعتبرت أن تسليمه السريع إلى فرنسا حرمها من فرصة تفاوض غير مباشرة.
كان التصور الليبي أن أي تحرك بهذا الحجم، في بيئة إقليمية مترابطة، كان ينبغي أن يتم بالتشاور أو مقابل سياسي، لذا فإن تسليم كارلوس إلى باريس لم يُنظر إليه في طرابلس بوصفه إجراءً أمنياً فقط، بل كخطوة سياسية فوتت فرصة كانت ليبيا تعتقد أنها قد تخدم مصالحها الاستراتيجية في تلك المرحلة.

