ماذا أرادت أمريكا أن تقول للعراقيين والمنطقة من نقل الدواعش؟

4

 

قراءة استراتيجية لما بعد 1979

 

قبل أن نغوص في قراءة الخطوة الأميركية الأخيرة بشأن نقل عناصر داعش من سوريا إلى العراق من الضروري إعادة ترتيب البوصلة فالكثيرون ما زالوا يقرأون التحولات الجارية بعين الماضي وبمنظار سياسات موروثة منذ 1979 مرورا بأوباما وبايدن وكأن المنطقة محكومة بالوراثة السياسية لا بتغير موازين القوى

لكن الواقع اليوم مختلف تماما

السياسة الأميركية الراهنة لا تُدار بعقلية الاستمرارية بل بعقلية القطيعة مع الإرث إنها سياسة أقرب إلى منطق ترامب إعادة صياغة التوازنات تفكيك المسلمات واستخدام أدوات قاسية أحيانا لمحاولة فرض وقائع جديدة في بيئة إقليمية ما زالت شديدة التعقيد وقابلة للمقاومة والالتفاف

من هنا لا يمكن فهم نقل عناصر داعش كإجراء أمني عابر بل كرسالة سياسية مركبة موجهة للعراق وسوريا وإيران والمنطقة بأكملها بل وحتى للمواطن العربي نفسه

أولا- إعلان قطيعة مع إرث ما بعد 1979

نقل عناصر داعش من السجون السورية إلى العراق ليس إجراء تقنيا ولا استجابة ظرفية بل إعلان غير مباشر عن محاولة إنهاء مرحلة كانت فيها الفوضى العابرة للحدود والتنظيمات المتطرفة أدوات لإدارة الصراع الإقليمي

الرسالة تميل إلى الوضوح لم تعد المنطقة تُدار حصرا وفق معادلات الثورة الإيرانية ولا عبر توظيف الإرهاب كذريعة دائمة للسلاح والفوضى

الملف الأمني لم يعد ورقة مضمونة بيد الميليشيات بل اختبارا مباشرا لسيادة الدولة العراقية

ثانيا- من الضمان إلى الاختبار

من الخطأ قراءة الخطوة الأميركية بوصفها ضمانة أمنية للعراق

الولايات المتحدة لا تمنح ضمانات بل تضع الدول أمام امتحان قاس

هل تستطيع الدولة العراقية إدارة أخطر ملف أمني داخل مؤسساتها

أم ستبقى أسيرة الذرائع والسلاح الموازي

نقل داعش إلى العراق لا يعني حمايته بل تحميل الدولة المسؤولية الكاملة عن ملف طالما استُخدم خارج إطارها

إما دولة قادرة أو انكشاف متزايد أمام الداخل والخارج

ثالثا- تفكيك ذريعة إعادة إنتاج داعش

سيحاول خصوم هذا المسار تسويق رواية تقول إن واشنطن تعيد إنتاج داعش داخل العراق

لكن الواقع أكثر تعقيدا

داعش لم يُنقل كقوة قتالية بل كملف أمني مغلق داخل السجون العراقية وتحت سيادة الدولة على أن يبقى نجاح هذا الإغلاق مرهونا بقدرة المؤسسات على تحييد الملف عن الاستثمار السياسي والأمني

الفرق جوهري

الخطر لم يعد عابرا للحدود بل محاصرا داخل الدولة ومع هذا التحول تضيق مساحة الذرائع التي بُني عليها السلاح خارج إطار الدولة وتصبح محاولات إعادة إنتاجها أكثر كلفة وانكشافا

رابعا- الميليشيات أمام لحظة الحقيقة

بوصول داعش إلى قبضة الدولة العراقية تواجه الفصائل وأذرع إيران امتحانا مفصليا

لا تهديد قادم من سوريا

لا داعش على الأبواب

ولا مبرر أمني جاهز للسلاح المنفلت

الرسالة شديدة الوضوح في اتجاهها

إما الدولة أو انكشاف متزايد بلا غطاء سياسي أو أمني

خامسا-ا المشروع الإيراني تحت المراقبة المباشرة

الخطوة الأميركية تُضيّق الخناق على المشروع الإيراني الطائفي دون أن تعني إنهاءه بل نقله إلى مساحة مراقبة أعلى وكلفة أكبر

لم يعد هناك خطر يُستخدم لتبرير الحماية

ولا فراغ يمكن الاستثمار فيه

وأي محاولة لإعادة إنتاج التوتر الطائفي ستكون أكثر انكشافا وكلفة

نحن أمام انتقال من إدارة الفوضى إلى اختبار صرامة الدول

سادسا- الرسالة الإقليمية الصامتة

الرسالة لم تكن للعراق وحده

لتركيا لا ذريعة أمنية مفتوحة للتوغل

ولدول الخليج العراق لم يعد ساحة سائبة كما كان

وللإقليم كله زمن الفاعلين غير الدوليين يضيق حتى وإن لم ينته

أخيرا الرسالة إلى المواطن العراقي

الرسالة الأهم ليست للنخب بل للمواطن

الأمن مسؤولية الدولة

والخوف لم يعد مبررا دائما

والسلاح خارج إطار الدولة لم يعد ضرورة بل عبئا

نقل داعش إلى العراق ليس أزمة بل لحظة كشف

كشف للدولة إن أرادت أن تكون دولة

وكشف للفصائل المسلحة بعد تضييق الذريعة

وكشف لمشروع إقليمي عاش طويلا على الفوضى

من لا يستعيد قراره وسيادته سيبقى حارسا لأزمات الآخرين

أما من أعاد بناء دولته فهذه أول مرة تُفتح له نافذة حقيقية خارج إرث 1979

نحو منطقة تُدار بالمؤسسات لا بالخوف

ولا بالسلاح خارج الدولة .

التعليقات معطلة.