اقتصاد الناس
بغداد
صفاء الكبيسي
عقارات العراق، 16 ديسمبر 2022 (أحمد الربيعي/فرانس برس)
في مشهد يعكس عمق الإشكاليات المتراكمة في ملف العقارات بعد عام 2003، كثفت الأجهزة الأمنية العراقية خلال الفترة الأخيرة ملاحقتها لمكاتب بيع العقارات وإيجارها، وهي مكاتب غير مرتبطة بالدولة يفترض أنها تعمل وسيطاً بين البائع والمشتري، على خلفية تصاعد عمليات الاحتيال والتزوير التي طاولت آلاف العقارات، ولا سيما أولئك الذين اضطروا إلى ترك منازلهم بسبب التهجير أو تدهور الأوضاع الأمنية في مراحل سابقة. هذا الملف، الذي ظل لسنوات طويلة حبيس الشكاوى الفردية والإجراءات الوقتية، عاد إلى الواجهة بقوة مع تزايد البلاغات عن بيع وإيجار عقارات بطرق غير قانونية، مستندة إلى عقود مزورة أو وثائق غير أصولية، في محافظات عدة أبرزها بغداد والبصرة وصلاح الدين وكركوك وديالى وغيرها، وسط اتهامات بوجود شبكات منظمة تعمل تحت غطاء مكاتب عقارية ظاهرها قانوني وباطنها احتيال ممنهج.
يؤكد مسؤولون في دائرة التسجيل العقاري المرتبطة بوزارة العدل، أن فوضى سوق العقارات في العراق بدأت بالتشكل بشكل واضح بعد عام 2003، في ظل ضعف مؤسسات الدولة آنذاك، وتداخل الصلاحيات، وغياب قاعدة بيانات عقارية مركزية محصنة. ومع موجات العنف الطائفي والتهجير القسري، وجدت شبكات التزوير بيئة مثالية للاستيلاء على منازل وأراضٍ تعود لمواطنين غادروا مناطقهم قسراً، لتُباع لاحقاً أو تؤجَّر لأكثر من شخص في بعض الأحيان.
جرائم “محمية”
وقال مسؤول في دائرة العقاري في بغداد، لـ”العربي الجديد”، طلب عدم ذكر اسمه، إن “الكثير من الضحايا لا يكتشفون ضياع عقاراتهم إلا بعد سنوات، وعند عودتهم يصطدمون بعقود بيع مصدقة أو وكلاء مزورين، ما يدخلهم في دوامة قضائية طويلة ومعقدة”، مبيناً أن “ضعف إجراءات الردع شجع على توسع هذه الظاهرة وتحولها إلى تجارة مربحة محمية بعلاقات نافذة”.
ونفذت الأجهزة الأمنية العراقية خلال السنوات الماضية حملات متقطعة لمراقبة مكاتب العقارات غير المرخصة وإغلاقها، خصوصاً في بغداد وبعض المحافظات الساخنة، وأدت تلك الحملات إلى غلق عدد من المكاتب وإحالة أصحابها على القضاء، بحسب المسؤول، مبيناً أن “هذه الجهود لم تكن كافية أو مستدامة، إذ سرعان ما عاد الكثير من تلك المكاتب إلى العمل بأسماء جديدة أو مواقع مختلفة”. ويرى مراقبون أن أحد أبرز أسباب فشل المعالجة الجذرية يتمثل بتمتع بعض أصحاب المكاتب بعلاقات مع جهات متنفذة أو شخصيات مؤثرة داخل مؤسسات الدولة والأحزاب، ما يوفر لهم مظلة حماية غير معلنة، ويحول دون تنفيذ الأحكام القضائية أو استمرار الرقابة الفعلية عليهم.
عمليات صرافة في بغداد، 25 يناير 2023 (مرتضى السوداني/ الأناضول)
اقتصاد عربي
فجوة مالية في العراق وسط تصاعد النفقات الجارية
حملة أمنية جديدة
وفي تطور لافت، أعلنت شرطة البصرة، الأربعاء الماضي، تنفيذ حملة أمنية لمتابعة مكاتب العقارات غير المجازة في قضاء شط العرب ومحاسبتها، وفق بيان رسمي للشرطة، مبيناً أن “الحملة جاءت ضمن الإجراءات الرامية للحد من حالات الاحتيال والتزوير في معاملات بيع العقارات وشرائها، إضافة إلى التصدي لعمليات تجريف الأراضي الزراعية وبيعها بطرق غير أصولية”. وأوضح البيان أن “الحملة أدت إلى إلقاء القبض على عدد من المخالفين لعدم حصولهم على الموافقات الأصولية لمزاولة المهنة، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم وفق السياقات المعتمدة، حفاظاً على حقوق المواطنين وتعزيزاً للأمن والاستقرار”.
أحد المتضررين في محافظة بغداد يروي لـ”العربي الجديد”، أن منزله “بيع خلال فترة تهجيره بعقد مزور”، مبيناً أنه “أمضى أكثر من ثلاث سنوات في المحاكم دون حسم نهائي، فيما يسكن المنزل اليوم شخص آخر يدعي حسن النية”. ويضيف أن “غياب الحسم القضائي السريع يجعل الضحية خاسراً مهما طال الزمن”، مشيراً إلى أن “المطالبة بالحق المغتصب لا تخلو من المخاطر، حيث لا نعلم جهات ارتباط المشتري والوسيط”. ويرى ناشطون حقوقيون أن المشكلة لا تكمن في المكاتب غير المجازة فقط، بل في ضعف منظومة التحقق والتصديق، وتداخل عمل الدوائر العقارية مع جهات أخرى، فضلاً عن الإداري الذي يسهل تمرير معاملات مشبوهة.
المنطقة الخضراء في العراق/الأناضول
الأرشيف
نهب عقارات العراق…تلاعب وفساد يطاول سياسيين وأحزاباً وفصائل مسلحة
الملاحقة الأمنية غير كافية
ويجمع مختصون على أن الحملات الأمنية، رغم أهميتها، تظل غير كافية ما لم تستكمل بإجراءات قانونية صارمة، تشمل محاسبة المتورطين داخل مؤسسات الدولة، وتحديث السجلات العقارية، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، إضافة إلى تشديد شروط منح إجازات مزاولة مهنة الواسطة العقارية. ودعا الناشط المدني، سامر الشمري، خلال حديثه مع “العربي الجديد”، إلى “تدخل حكومي واسع وشامل، لا يقتصر على المعالجات الأمنية الوقتية، بل يتضمن رؤية استراتيجية لحماية عقارات المواطنين، وضمان حق الملكية، وإعادة الثقة بسوق العقار، الذي يعد أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد في البلاد”.
يجري ذلك في ظل استمرار الشكاوى وتصاعد الغضب الشعبي من ضعف الإجراءات الحكومية لحماية ممتلكات المواطنين، ليبقى الملف رهناً للخطوات الحكومية التي يجب عليها تحمّل المسؤولية في ظل هذه الفوضى غير القانونية. وسبق أن أطلقت الحكومات العراقية السابقة وعوداً وإجراءات لحفظ الأملاك، ومنها أملاك المسيحيين في البلاد، إلا أن تلك الوعود لم تكن مجدية، أمام سجل من اعتداءات وسلب لكثير من أملاكهم في عموم محافظات البلاد، من طريق التلاعب بالأوليات والأوراق الثبوتية في الدوائر المعنية بالعقارات.
مافيات العقارات… جرائم “محمية” تبتلع أملاك العراقيين

التعليقات معطلة.
