يقول جبران خليل جبران : كلّ أرضٍ أكرَمتكَ.. هي وطن ..
في كل مرة يُعبَّر فيها “المقيمون العرب” عن تقديرهم لدول الخليج، يُختزل الموقف سريعاً في اتهامات سطحية: “تلميع” ،”تبييض” أو “مقابل مادي”، وكأن الاعتراف بالواقع الإيجابي بات تهمة، أو كأن الامتنان فقد شرعيته.
بين السذاجة السياسية وقلة الوعي ، يعيش بيننا كُثر بعقولهم المؤدلجة التي أصبحت خطراً لا يقل عن البالستي والمسيّرات . فالصاروخ يُعترض ويُسقط ويفشل في بلوغ هدفه فيما عقول البعض تحتاج حزمة من “الصواريخ الاعتراضية الفكرية ” لإعادة برمجتها.
في قلب هذا الجدل، لا يمكن تجاهل سؤالٍ مركزي: لماذا لا يزال جزء من الشارع العربي يعيش حالة إنكار للواقع، رغم وضوح المعطيات التاريخية والراهنة؟ المسألة ليست نقصاً في المعلومات، بل أزمة في طريقة قراءة هذه المعلومات. فهناك سرديات متجذّرة بُنيت على شعارات أيديولوجية عاطفية، تربط بين “المقاومة” وأي طرف يرفع هذا الشعار، بغض النظر عن ممارساته الفعلية على الأرض.
محور الممانعة و”جمهوره” يُعلنان تأييدهما لإيران رغم إظهارها أي إيران العداء للدول العربية والإسلامية، أكثر من عدائها لإسرائيل، وأعداد الصواريخ والمسيّرات تشهد.
من المستغرب أيضاً استمرار البعض تأييد إيران وأذرعها، رغم أن بصمات هذا المشروع واضحة في دول مثل سوريا والعراق واليمن ولبنان حيث ارتبط حضورها غالباً بحروب داخلية، وانهيار مؤسسات، وتفكك اجتماعي. المفارقة أن هذا التأييد لا يأتي دائماً من منطلق تحليل سياسي عميق، بل من ثنائية مبسّطة: “عدو عدوي صديقي”. فيُفترض أن أي طرف يعادي إسرائيل يستحق الدعم، حتى لو كان يمارس سياسات تضر بالعرب أنفسهم.
في المقابل، تغيب أحياناً حقائق ملموسة عن الوعي العام، أو يتم التقليل من شأنها. دول الخليج، على سبيل المثال، لم تكن يوماً بعيدة عن القضايا العربية، بل احتضنت ملايين العرب، بمن فيهم الفلسطينيون، ووفرت لهم فرص عمل وحياة كريمة، وصل فيها كثيرون إلى أعلى المناصب المهنية والاقتصادية. هذه الدول لم تقدم فقط دعماً سياسياً أو مالياً ، بل وفرت نموذجاً للاستقرار والتنمية في منطقة مضطربة. ومع ذلك، يُقابل هذا الواقع أحيانًا بخطاب يُقلل من قيمته، وكأن الرفاهية تهمة، أو الاستقرار مدعاة للريبة، بينما المنطق السليم يفترض أن تكون هذه النماذج مصدر إلهام لا موضع تشكيك.
المفارقة هنا واضحة: بين خطاب “النصرة” الذي لا يترجم بدعم على الأرض بل بدمار في كل جولة تحت عنوان “طريق القدس ” وبين واقعٍ احتضن الإنسان الفلسطيني فعلياً . وهذا يطرح سؤالًا بديهياً : أيهما أقرب إلى دعم الفلسطينيين فعلياً : الشعارات الرنانة أم الأفعال التي تصنع فارقاً يومياً في حياة الناس؟!
كيف يمكن أن يصل البعض إلى حد الشماتة باستهداف دول عربية وخليجية بصواريخ؟ هذا ليس مجرد اختلاف في الرأي السياسي، بل خلل في البوصلة الأخلاقية…
الأخطر من ذلك، هو تطبيع ثقافة تمجيد الصراع والدمار، مقابل التقليل من قيمة الحياة والاستقرار. كيف يمكن تبرير دعم مشاريع أثبتت نتائجها الكارثية، في وقت نشاهد فيه المآسي الإنسانية تتكرر، من غزة إلى عواصم عربية أخرى؟ إسرائيل ترتكب جرائم كل يوم ولكن هذا لا يعني القبول بمشاريع أخرى تُنتج مآسي موازية.
اليوم نحن أمام تحدي وعي، لا مجرد خلاف سياسي. فاستمرار هذه الانقسامات، وتغذية الكراهية بين الشعوب العربية، يخلق فجوات يصعب ترميمها لاحقاً .
لماذا الاستمرار في تقديس خطاب الموت والصراع، أمام نموذج يقوم على الحياة، الاستقرار، والازدهار؟ الم يكتفِ العرب من ويلات المشاريع الظلامية التي تزيد بلاءهم ، وهذا ليس كلاماً في الهواء بل معطيات مثبتة .
“الأشقاء العرب” ليس شعاراً بل بوصلة أخلاقية فكرية بعيداً عن الأصوات الشاذة ، الوعي اليوم لم يعد خياراً، بل ضرورة لشعوبنا لأن العالم يسير ولا ينتظرنا ونحن أسرى افكارنا التي لا تجد مكاناً لها على متن قطار المستقبل.

