متى وكيف نتخلص من الفساد والإهمال؟

4

صلاح الغزالي حرب

الفساد والإهمال وجهان لعملة واحدة غالبًا، حيث يتضمن الفساد استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية (رشوة واختلاس)، ويؤدى إلى تدهور الخدمات، بينما الإهمال هو التقصير فى أداء الواجبات الوظيفية والتسبب فى الإضرار.. وكلاهما ينخر فى جسد الدولة.. وهناك أسباب عدة، منها الفقر والبطالة ونقص التعليم وإهمال القانون وغياب الرقابة الفعالة وضعف الضمير وغياب الوعى المجتمعى وغيرها.. وللتخلص من هذه الأوبئة التى زادت حدتها فى المجتمع المصرى ونحن نسعى، كما قال الرئيس السيسى، إلى مصر الجديدة فلابد من منهج شامل ومتعدد الأوجه، يشمل استراتيجية مكافحة الفساد، التى تعنى تعزيز سيادة القانون بوضع قوانين صارمة لمكافحة الفساد على الجميع دون استثناء مع ضمان استقلالية القضاء، وتحقيق الشفافية والمساءلة وإتاحة الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالإنفاق الحكومى وعقود المشاريع العامة وإصلاح المؤسسات لتقليل البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات للحد من الرشوة والفساد، ورفع أجور الموظفين بصورة عادلة وكافية، وتشجيع منظمات المجتمع المدنى والإعلام الحر على مراقبة الأنشطة الحكومية وكشف حالات الفساد.. وهناك استراتيجية أخرى لمعالجة الإهمال، وتشمل وضع معايير أداء واضحة ومراقبة الالتزام بها والاستثمار فى تدريب الموظفين لأداء وظائفهم بكفاءة مع تطبيق نظام حوافز وعقوبات فعال وتمكين الموظفين من الإبلاغ عن أى إهمال بآليات سهلة وواضحة.. وسوف أسرد اليوم بعض مظاهر الإهمال والفساد فى المجتمع..

أولًا.. فى المجال الرياضى

شهدت الساحة الرياضية والمجتمعية فى مصر حالة من الغضب العارم بعد وفاة الطفل يوسف محمد، سباح نادى الزهور، داخل حمام السباحة خلال بطولة تحت إشراف الاتحاد المصرى للسباحة، حيث ظل الطفل عدة دقائق فى قاع المسبح دون أن يلحظه أحد من الحكام أو المنقذين أو أى مسؤول تنظيم!. وقال والد الطفل الغريق إن الإضاءة فى المدرج كانت ضعيفة مما أدى إلى تأخر انتشال الطفل من المسبح، كما لم يكن هناك فى الإسعاف طبيب متخصص داخل المسبح.. والمؤسف أن رئيس الاتحاد شك فى احتمال تناول الطفل أحد المنشطات!، وثبت بعد الفحص خلو الجسد من أى منشط، والغريب أن هذا المسؤول استمر لمدة تجاوزت 13 عامًا رئيسًا للاتحاد!! وليس لديه أى مؤهلات رياضية تجعله يبقى هذه المدة فى منصبه، وكان يفخر بانتمائه لجماعة الإخوان، وكان يشغل أيضًا منصب رئيس اللجنة الأوليمبية المصرية!!، والمؤسف أيضًا أن السيد وزير الشباب والرياضة فى حديثه فى الإعلام ركز على وجود كود طبى لكل شاب فى كل أنواع المسابقات الرياضية، ولكن يبدو أن مثل هذه الإجراءات شديدة الأهمية لا تتم مراقبتها ومراجعتها لتحقيق الهدف منها، ولكنها فى الكثير من الأندية (تستيف أوراق)، وقد أخبرتنى أستاذة أطفال بأنها كثيرًا ما تحضر الأم فى غيبة الطفل، وذلك من أجل إثبات صحته البدنية!، وبالقطع فإن السيد الوزير يعلم أيضًا كيف تدار انتخابات معظم الاتحادات الرياضية، ومدى المهازل التى تتم علانية بغير شروط علمية ولا مؤهلات تتناسب مع المهمة الكبيرة، وذلك من أهم أسباب تعثر الكثير من الفرق الرياضية، ومنها للأسف كرة القدم، ولابد من ثورة تصحيح علمية وأمينة لاختيار الأكثر كفاءة وأمانة.. ويبقى أن أشكر أعضاء النيابة المحترمين الذين أدوا عملهم بكل أمانة، وأمروا بتقديم كل من رئيس وأعضاء مجلس إدارة الاتحاد ومديره التنفيذى ورئيس لجنة المسابقات ومدير البطولة والحكم العام وثلاثة من طاقم الإنقاذ للمحاكمة الجنائية، كما أهابت النيابة بالمجتمع الرياضى بكافة أطيافه ومسؤوليه والقائمين على إدارة الأنشطة والمسابقات الرياضية ضرورة الالتزام بأحكام القانون والقرارات المنظمة، والاضطلاع الكامل بالمسؤوليات المنوطة بهم، واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بضمان سلامة اللاعبين، وتوفير بيئة رياضية آمنة تحمى أرواحهم وتصون مستقبلهم، كما أرجو محاسبة رئيس نادى الزهور ومعاونيه عن دورهم فى إهمال الطفل الغريق المنتسب إلى النادى.. متى نتخلص من هذا الفساد والإهمال؟

عند سؤال المستشار محمود فوزى، وزير الشؤون النيابية والقانونية، عن الانتخابات المحلية قال إن من المنطق السياسى والدستورى وجود تسلسل واضح فى الاستحقاقات! يبدأ بمجلس الشيوخ، ثم مجلس النواب، ويأتى بعدهما استحقاق المحليات!، ويبدو أن السيد المستشار لا يعلم أن المجالس المحلية تم حلها فى عام 2011، وقد حُرم المجتمع من واحدة من أهم أدوات الإدارة والمشاركة والمساءلة، فهى ليست مجالس لتلقى الشكاوى، بل هى من المفترض أن تكون الذراع التنفيذية للناس على الأرض، وهى المعنية بمتابعة الأداء اليومى للسلطات المحلية والرقابة على الأجهزة التنفيذية وتحديد الأولويات فى الإنفاق المحلى.. وقد ترتب على ذلك الإهمال تركيز القرار فى يد الأجهزة التنفيذية فقط مع غياب المشاركة الشعبية، وتراكم الغضب واللامبالاة، وإضعاف دور الأحزاب، كما أن ذلك أدى إلى ما نراه من حوادث وجرائم وإهمال شديد فى معظم المحافظات، ناهيك عن انتشار الرشوة والفساد، وكما يقول السياسى والنائب السابق بمجلس الشعب، باسم كامل، إن المحليات فى أى نظام ديمقراطى سليم تمثل القاعدة الأولى لبناء الوعى والممارسة السياسية، فهى المدرسة الحقيقية لإنتاج القيادات وبوابة الاحتكاك اليومى بين المواطن والدولة، وتنص المادة 180 من الدستور المصرى على ألا تقل نسبة تمثيل الشباب عن 25٪ فى كل مجلس محلى، وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، وهو ما يعنى الفرصة الدستورية الأكبر لتمكين الشباب والنساء.. والغريب أن السيد المستشار علق على هذا التأخير قائلًا إن الحكومة تعمل فى الوقت الراهن على فصل قانون الإدارة المحلية عن قانون المجالس الشعبية المحلية!؟، والتى من المتوقع أن تتكون فى عددها مما يقرب من 56 ألف عضو على مستوى الجمهورية! وهو ما يمثل قاعدة واسعة للمشاركة الشعبية المباشرة.. ولا أدرى لماذا لم يذكر ذلك فى جلسات الحوار الوطنى، الذى للأسف الشديد لم يتم تنفيذ كل ما أوصى به الحاضرون المتخصصون؟

إذا أردنا أن نبنى حياة ديمقراطية حقيقية فإن نقطة البداية ليست القمة، بل القاعدة، والانتخابات المحلية التى ليست استحقاقًا إداريًا، بل هى ساحة تدريب وممارسة وتكوين.. وهو ما يعيد ربط الناس بالسياسة، ويجعل المواطن يشعر بأنه له دور وصوت فى إدارة شؤونه المباشرة.. متى نتخلص من هذا الفساد والإهمال؟

التعليقات معطلة.