برحيل الفنان محسن العلي، تفقد الساحة الفنية أحد الأصوات الهادئة التي اختارت الصدق منهجًا، والالتزام الإنساني مسارًا، بعيدًا عن الصخب والاستعراض. لم يكن الراحل اسمًا عابرًا في سجلّ الفن، بل تجربة فنية متراكمة تركت أثرها الواضح في الذاكرة الثقافية والجمالية، وارتبطت بثقة الجمهور واحترام الوسط الفني.
تميّز محسن العلي بحضور متزن وأداء عميق، مكّنه من تجسيد الشخصيات القريبة من الواقع الاجتماعي، دون مبالغة أو افتعال. تعامل مع التمثيل بوصفه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون أداة شهرة، فانعكس ذلك على اختياراته الفنية وعلى الطريقة التي قدّم بها أدواره، حيث كان يندمج بالشخصية اندماجًا كاملًا، ويمنحها من روحه وتجربته الإنسانية، ما جعل أعماله تحظى بقبول واسع لدى الجمهور.
لم يعتمد الراحل على الصوت العالي أو الأداء الاستعراضي، بل على البساطة المدروسة والصدق التعبيري، وهو ما منح حضوره خصوصية واضحة، وجعل أداءه قابلًا للاستمرار في الذاكرة، حتى بعد غيابه. كانت شخصياته تعكس هموم الإنسان اليومي، وتلامس قضاياه دون خطاب مباشر، معتمدة على الإحساس العميق والتفاصيل الدقيقة.
وفي مرحلة شهد فيها المشهد الفني تحوّلات كبيرة، وتغيّرًا في المعايير الفنية، حافظ محسن العلي على قناعته بأن الفن رسالة ثقافية وإنسانية، لا تخضع بالكامل لمعادلات السوق أو الإيقاع السريع للإنتاج. لذلك ارتبط اسمه بالاحترام المهني، وبالصورة الإيجابية للفنان الملتزم بقيمه وبجمهوره، دون تنازل عن مبادئه أو تكيّف قسري مع المتغيرات.
إن مسيرة محسن العلي لا تُقاس بعدد الأعمال فقط، بل بالأثر الذي تركه في الوعي الجمعي، وبالثقة التي بناها مع المتلقّي على مدى سنوات. فقد قدّم نموذجًا لفنان اختار أن يكون قريبًا من الناس، معبّرًا عنهم، لا متحدثًا باسمهم من موقعٍ متعالٍ.
اليوم، إذ تودّعه الأسرة الفنية وجمهوره، يستحضر المتابعون إرثًا فنيًا سيبقى حاضرًا في الأعمال التي شارك فيها، وفي الشخصيات التي جسّدها بصدق ومسؤولية. رحل الجسد، لكن الأثر الفني والإنساني الذي تركه محسن العلي سيظل شاهدًا على تجربةٍ تستحق التقدير والتوثيق.
نم قرير العين يا محسن العلي.
فما يُخلق من صدقٍ لا يموت،
وما يُصاغ من روحٍ لا يُنسى.
رحلت جسدًا… وتخلّدت فنًّا.

