في منطقتنا، لا توجد أزمات عابرة أو أحداث مفاجئة. هناك منهجية متكررة، يمكن تتبعها عبر التاريخ الحديث، تضع الأنظمة على طريق السقوط خطوة خطوة. هذه ليست صدفة، بل خطة معلّبة سياسياً واستراتيجياً: حصار أولاً، ثم نزع النووي، ثم تفكيك الصواريخ، وأخيرًا إسقاط النظام.
المرحلة الأولى دائمًا تبدأ بالحصار الشامل: عقوبات اقتصادية خانقة، عزلة دبلوماسية، تشويه دولي، واستنزاف داخلي طويل. الهدف ليس إسقاط النظام فورًا، بل إرهاقه، دفعه لتقديم تنازلات قاتلة، وإجباره على ارتكاب أخطاء تقوّض شرعيته.
تأتي بعدها المرحلة الثانية: نزع أدوات الردع. النووي ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتفريغ النظام من قوته الاستراتيجية. العراق خضع لضغوط هائلة قبل أن يُشنّت ضربة مفاعله. ليبيا سلمت برنامجها النووي ثم سقط نظامها. سوريا شهدت استهداف مفاعلها في دير الزور، خطوة أولى لتقييد قدراتها. كل هذه الأمثلة تؤكد أن الضربة المباشرة ليست البداية بل وسيلة ضغط أولية.
ثم تأتي المرحلة الثالثة: الصواريخ. الصواريخ تعني قدرة على الرد، وإرغام الخصم على دفع الكلفة. لذلك يتم استنزافها، تقييدها، أو تفكيكها، سواء بالضغط المباشر أو عبر تفاهمات غير متكافئة. النظام بلا أنياب، بلا أدوات قوة استراتيجية، يصبح هدفًا سهلًا للضغط الداخلي والخارجي.
وفي النهاية، يأتي الفصل الأخير: تفكيك النظام من الداخل. الانقسامات الداخلية، الأزمات الاقتصادية والسياسية، الصراعات بين النخب، تجعل انهيار النظام يبدو طبيعيًا وضروريًا، بينما هو في الحقيقة نتيجة تخطيط منهجي طويل.
العراق مرّ بكل هذه المراحل. ليبيا سلّمت أوراقها ثم سقط نظامها. سوريا ضُربت مفاعلاتها، ثم غرقت في حرب استنزاف طويلة. واليوم، يسير النظام الإيراني على المنهجية نفسها: حصار خانق، مفاوضات قسرية، الحديث عن النووي، ثم الصواريخ، ثم ضبط السلوك الإقليمي. أسماء الأنظمة تتغير، لكن السيناريو واحد.
الخطورة ليست في الضربة، ولا في العقوبات وحدها، بل في الاطمئنان إلى أن الضربة أو المفاوضات هي النهاية. في هذا المسلسل، الضربة ليست خاتمة، بل حلقة ضمن مسلسل طويل من الاستنزاف والتفكيك حتى السقوط النهائي.

