مشكلة الحرب الحالية: إيران تمادت… وترامب ونتنياهو خرقوا القانون الدولي

7





 

 

في الحروب الكبرى، لا تكون الحقيقة ضحية أولى فحسب، بل يصبح القانون الدولي ذاته مجرد نصٍ معلق على جدار مهجور، تُفسّره القوى كما تشاء وتُعطّله حين يتعارض مع مصالحها. هذا بالضبط ما نشهده اليوم في الحرب الدائرة، حيث تتقاطع الأخطاء الاستراتيجية مع الانتهاكات القانونية، لتنتج مشهداً شديد التعقيد: إيران تمادت في مشروعها، فيما اختار دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تجاوز قواعد اللعبة الدولية بالكامل.

من جهة أولى، لا يمكن إنكار أن السلوك الإيراني خلال السنوات الماضية أسس لهذه اللحظة. فطهران لم تكتفِ ببناء نفوذ سياسي، بل مضت بعيداً في ترسيخ شبكة عسكرية عابرة للحدود، قائمة على الفصائل المسلحة، والصواريخ، واستعراض القوة في أكثر من ساحة. هذا التمدد لم يكن مجرد دفاع عن النفس كما تروّج، بل تحوّل إلى مشروع نفوذ إقليمي مفتوح، أربك التوازنات، وأثار مخاوف حقيقية لدى خصومها.

ومع تصاعد هذا الدور، بدا أن إيران تراهن على معادلة دقيقة: التقدم إلى الأمام دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل. لكنها أخطأت التقدير. فالإفراط في استخدام القوة، وتوسيع دائرة الاشتباك، أوصلها إلى لحظة فقدان السيطرة على إيقاع التصعيد، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوة دولية وإقليمية لا تقبل بهذا التمدد.

لكن، في المقابل، فإن الرد الأمريكي الإسرائيلي لم يكن أقل إشكالية، بل ربما أكثر خطورة من زاوية القانون الدولي. فالضربات العسكرية التي نُفذت خارج الأطر الشرعية، وبدون تفويض دولي واضح، تمثل خرقاً صريحاً لسيادة الدول، وانتهاكاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بقرار أممي.

لقد تبنّى ترامب، ومن خلفه نتنياهو، منطق “فرض الوقائع بالقوة”، وهو منطق قد يحقق مكاسب تكتيكية سريعة، لكنه يفتح الباب أمام فوضى استراتيجية طويلة الأمد. فحين تُضرب القواعد وتُهمّش المؤسسات الدولية، يصبح العالم أقرب إلى شريعة الغاب، حيث القوة وحدها هي الحكم.

المفارقة أن الطرفين، رغم عدائهما، أسهما معاً في تفكيك ما تبقى من النظام الدولي. إيران من خلال سلوكها التوسعي غير المنضبط، والولايات المتحدة وإسرائيل عبر تجاوز القانون الدولي والتصرف كقوى فوقه. والنتيجة: منطقة مشتعلة، وقواعد لعبة تنهار، وأفق مفتوح على سيناريوهات أكثر خطورة.

الأخطر من ذلك أن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى صراع على شكل النظام الإقليمي القادم. من يضع قواعده؟ ومن يمتلك حق فرض التوازن؟ وهل سيكون العرب مجرد ساحة لهذا الصراع، أم طرفاً قادراً على صياغة معادلته الخاصة؟

في ظل هذا المشهد، يبدو أن المشكلة الحقيقية ليست فقط في من بدأ التصعيد، بل في غياب أي سقف يضبطه. فحين تتمادى دولة، ويخرق خصومها القانون، يصبح التصعيد بلا حدود، وتصبح الحرب مشروعاً مفتوحاً، لا نهاية واضحة له.

وهنا تكمن المعضلة: عالم بلا قواعد، وأطراف تتصرف بلا قيود، والمنطقة تدفع الثمن.

التعليقات معطلة.