معاهدة نيو ستارت… آخر خطوط الأمان النووي ولماذا يريد ترامب دفنها

7

 

 

في لحظة دولية شديدة الاضطراب، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح واحد من أخطر ملفات الأمن العالمي حين قال صراحة: «يجب العمل على معاهدة جديدة بدل “نيو ستارت”. تصريح عابر في شكله، لكنه ثقيل في مضمونه، لأنه يطال آخر اتفاق نووي استراتيجي يقيّد الترسانات النووية لأكبر قوتين في العالم: الولايات المتحدة وروسيا.

آخر جدار قبل الفوضى النووية

معاهدة نيو ستارت، الموقّعة عام 2010، لم تكن اتفاقًا مثاليًا، لكنها أدّت وظيفة حاسمة: منع الانفلات النووي. فقد وضعت سقفًا صارمًا لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية ووسائل إيصالها، وفرضت آليات تفتيش وتبادل بيانات ضمنت الحد الأدنى من الثقة المتبادلة في عالم تحكمه الشكوك.

ببساطة، نيو ستارت لم تمنع الحرب، لكنها منعت سوء التقدير… وهذا أخطر بكثير.

لماذا يريد ترامب تجاوزها؟

دعوة ترامب إلى «معاهدة جديدة» لا تنبع من رغبة أكاديمية في التحديث، بل من قراءة سياسية–استراتيجية أوسع تقوم على ثلاث ركائز:

تغيّر ميزان القوى النووي

الاتفاق صُمم لعالم ثنائي القطبية، بينما الواقع اليوم يتجه إلى تعددية نووية، في مقدمتها الصين التي ترفض أي التزام مشابه.

أسلحة لم تكن موجودة

الصواريخ الفرط صوتية، والأسلحة النووية التكتيكية، وأنظمة الإطلاق الجديدة… كلها خارج نص نيو ستارت، ما يجعلها، بنظر واشنطن ، اتفاقا ،”أعمى” عن أخطر تطورات العصر.

انهيار الثقة مع موسكو

الحرب في أوكرانيا، وتعليق روسيا لمشاركتها العملية في المعاهدة، جعلا الالتزام القانوني بلا روح سياسية، وهو ما يستخدمه ترامب كذريعة للقول: لا جدوى من اتفاق لا يُحترم.

معاهدة جديدة… أم فراغ قاتل؟

المفارقة أن الدعوة لمعاهدة جديدة لا تعني بالضرورة عالمًا أكثر أمانًا. على العكس، فالفشل في التوصل إلى بديل قبل انتهاء نيو ستارت عام 2026 يعني:

غياب أي سقف قانوني للترسانات النووية

توقف التفتيش المتبادل

سباق تسلح صامت لكنه متسارع

ارتفاع احتمالات الخطأ الحسابي في لحظة توتر

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الردع بلا قواعد.

العالم أمام مفترق خطير

تصريح ترامب لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى في النظام الدولي. نحن أمام عالم ينتقل من منطق «الضبط» إلى منطق «الفرض»، ومن التوازنات القانونية إلى موازين القوة الخشنة. في هذا السياق، تصبح المعاهدات عبئًا على من يملك اليد الأقوى، لا ضمانة جماعية.

لكن التاريخ النووي يقول شيئًا واحدًا بوضوح:

كل مرة تراجعت فيها القيود… اقترب العالم خطوة من الهاوية.

الخلاصة

نيو ستارت ليست مجرد معاهدة، بل صمام أمان أخير.

والحديث عن استبدالها، دون رؤية واقعية قابلة للتنفيذ، ليس إصلاحًا للنظام الدولي، بل مغامرة به.

السؤال لم يعد: هل نحتاج معاهدة جديدة؟

بل: هل يملك العالم القدرة على تحمل تجربة الخسارة القديمة؟

التعليقات معطلة.