مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران: حوار الطرشان

3

 

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تبدو فيها خرائط النفوذ وكأنها تعاد رسمها على وقع التصعيد العسكري والسياسي، تبرز العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمنصة جديدة لمحاولة كسر الجمود بين واشنطن وطهران. غير أن هذه المفاوضات، التي يُفترض أن تشكّل نافذة أمل لخفض التوتر، تبدو أقرب إلى “حوار الطرشان”؛ حيث يتحدث كل طرف بلغة مختلفة، ويصغي إلى ذاته أكثر مما ينصت للطرف الآخر.

الولايات المتحدة تدخل هذه الجولة وهي محمّلة بعقيدة سياسية جديدة، تقوم على إعادة فرض الهيبة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بعد سنوات من التردد الذي طبع سياسات الإدارات السابقة. في المقابل، تصل طهران إلى طاولة التفاوض وهي ترى في أي تراجع تكتيكي تهديدًا وجوديًا لمنظومتها الإقليمية التي بنتها بعناية عبر أذرع متعددة، تمتد من بغداد إلى بيروت وصنعاء وغزة.

جوهر الإشكال لا يكمن فقط في الملفات التقليدية، كبرنامج إيران النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل في طبيعة الصراع ذاته. واشنطن تتعامل مع إيران كدولة يجب إعادة ضبط سلوكها ضمن النظام الدولي، بينما ترى طهران نفسها مشروعًا عقائديًا عابرًا للحدود، لا يمكن اختزاله في حسابات الدولة التقليدية. هذه الفجوة البنيوية تجعل أي تقاطع بين الطرفين مؤقتًا وهشًا، حتى لو بدا في ظاهره تقدمًا تفاوضيًا.

في إسلام آباد، لا يجري التفاوض فقط على بنود اتفاق، بل على تعريفات أساسية: ما هو الأمن؟ من يملك شرعية النفوذ؟ وأين تنتهي حدود الدولة وتبدأ حدود الأيديولوجيا؟ وهنا تكمن معضلة “حوار الطرشان”، حيث لا توجد أرضية مشتركة حقيقية يمكن البناء عليها.

الوسيط الباكستاني، الذي يسعى إلى تثبيت موقع بلاده كلاعب إقليمي متوازن، يدرك أن نجاحه لا يعتمد فقط على تقريب وجهات النظر، بل على خلق لغة مشتركة بين طرفين يفتقران أصلًا إلى مفردات مشتركة. ومع ذلك، فإن قدرة إسلام آباد على التأثير تبقى محدودة أمام تعقيدات المشهد، خاصة في ظل تضارب المصالح الدولية، ودخول لاعبين كبار مثل الصين وروسيا على خط الأزمة.

المفارقة أن كلا الطرفين يعلن رغبته في تجنب الحرب الشاملة، لكن سلوكهما على الأرض يشير إلى عكس ذلك. فالتصعيد غير المباشر، عبر استهداف المصالح الحيوية أو تحريك الوكلاء الإقليميين، أصبح أداة تفاوض بحد ذاته. وهنا، تتحول المفاوضات من وسيلة لاحتواء الأزمة إلى امتداد لها، تُدار فيها الضغوط بالتوازي مع الكلمات. بدليل استدعاء السفير العراقي وابلاغة بضرورة حل الفصائل المسلحة التابعة لطهران تأتي بالتزامن مع تلك المحادثاث. 

النتيجة المتوقعة من هذه الجولة، إذا استمرت المعطيات الحالية، لن تتجاوز إطار “إدارة الأزمة” بدلًا من حلها. قد نشهد اتفاقات جزئية، أو تفاهمات مؤقتة، لكنها لن تلامس جوهر الصراع. لأن المشكلة، ببساطة، ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة المشتركة للاعتراف بطبيعة المشكلة .

في النهاية، تبدو مفاوضات إسلام آباد كأنها مسرح سياسي مكتمل العناصر: حضور دولي، رسائل متبادلة، وتصريحات محسوبة. لكن خلف هذا المشهد، يبقى الواقع أكثر صلابة: صراع إرادات لا يُحسم بالكلمات، بل بتغير موازين القوى. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الحوار شكلا…. لكنه بلا آذان تسمع.

التعليقات معطلة.