في محاولة لاستعادة النفوذ الاستراتيجي في أقاليم القارة الأفريقية بتوظيف مدخل التعاون التعديني بالمقام الأول، نشرت وكالة رويترز الإخبارية صباح اليوم خبراً يفيد بزيارة مرتقبة لكل من رئيس الكونغو الديمقراطية ورواندا إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب من أجل توقيع اتفاق سلام الأسبوع المقبل، وهو ما يشير إلى حرص مسعد بولس- مبعوث الرئيس الأمريكي- على البناء على إعلان المبادىء الذى تم توقيعه في إبريل 2025 في واشنطن، وما تلاه من اتفاق تم التوقيع عليه بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن (يونيو 2025) ثم إعلان مبادىء بين كينشاسا وحركة M23 في يوليو 2035 تم التوقيع عليه في الدوحة.
وعلى الرغم من مساعى تقديم استراتيجية ترامب الأمنية والاقتصادية بالقارة في صورة مغايرة للتوجهات الغربية السابقة، إلا أن بعض التقديرات السياسية تُرجح أن يكون خطاب ترامب الحاد تجاه نيجيريا والتعليق على تفاعلات دينية، وما إلى ذلك من مسائل داخلية (دبلوماسية خشنة)، بمثابة ذريعة لتوسيع نفوذ واشنطن في غرب أفريقيا، الأمر الذى يدفع باتجاه تأكيد اختلاف المقاربة الصينية في خلق نفوذ بدول القارة الأفريقية عن المنهج الغربي، وذلك من خلال الحرص على عدم التعليق على الشأن الداخلي.
في المقابل تشهد علاقات واشنطن بأطراف فاعلة في القارة- جنوب أفريقيا على سبيل المثال وليس الحصر – بعض التوترات ظهرت في انتقادات حادة وجهها ترامب للرئيس رامافوزا خلال استقباله في البيت الأبيض بمزاعم “إضطهاد العرق الأبيض”، أخذاً في الاعتبار أن انتهاء سريان قانون النمو والفرص في أفريقيا AGOA الذى يمنح نحو 1800 منتج من دولة أفريقية إعفاء من الرسوم الجمركية إلى السوق الأمريكية تزامن مع تطبيق الصين تعريفة جمركية صفرية على 53 دولة أفريقية.
وعلى الرغم من دعاوى السلام ومساعي واشنطن لتعزيز حضورها الاستراتيجي في أقاليم القارة السمراء من خلال إدارة المفاوضات بين أطراف متناحرة والضغط لتوقيع شراكات اقتصادية جديدة في مجالي الطاقة والتعدين، فإن تنامي وتيرة التحذيرات التى تطلقها المنظمات الدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية في شرق الكونغو ، يوحي بأن المسارات الدبلوماسية لم تفلح حتى الآن في التوصل لتسويات واضحة وملزمة لجميع الأطراف المتناحرة تضع حداً للأزمة الممتدة عبر سنوات، وآخر تلك النداءات صدر عن برنامج الأغذية العالمي WFP؛ مشيراً إلى أن نحو 3 مليون شخص يواجهون مستويات “طارئة” من الجوع (المرحلة الرابعة IPC)، وذلك من بين ما يقرب من 25 مليوناً يعانون إنعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وبالرغم من توقيع حكومة الكونغو الديمقراطية وحركة M23 ( أبرز الجماعات المسلحة والمدعومة من رواندا) إطاراً لاتفاق سلام في الدوحة بتاريخ 15 نوفمبر 2025، إلا أن هناك العديد من منظمات المجتمع المدني وكذلك شخصيات كنسية في جنوب كيفو قد أطلقت تحذيرات بأن تلك الاتفاقيات لن تصمد ما لم تتضمن آليات واضحة لحماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وأنه لابد من انخراط سكان الشرق بشكل مباشر في مفاوضات السلام لتحقيق الاستقرار في منطقة تعاني من صراعات طويلة الأمد.
بالتوازي مع المفاوضات والمسارات السياسية وكذلك المواجهات المسلحة، تواصل حركة M23 (المتمردة على حكومة الكونغو الديمقراطية) الاستيلاء على سبائك الذهب خاصة عقب سيطرتها قبل عدة أسابيع على منجم “توانجيزا” في إقليم كيفو، وكانت الحركة قد سيطرت في مارس الماضى على “واليكالي” في إقليم شمال كيفو، والتى تعد بمثابة موطن لأكبر رواسب القصدير والعديد من مناجم الذهب المهمة في الكونغو الديمقراطية، ونظراً لامتلاك الكونغو لـ80٪ من الاحتياطيات العالمية لمعدن “الكولتان” المستخدم في صناعة المفاعلات النووية؛ فإن هناك حالة متنامية من التكالب الأمريكي الصيني على استغلال الثروات المعدنية الضخمة في المنطقة، وسط مساعى واشنطن لتقليل اعتمادها على سلاسل التوريد التى تهيمن عليها بكين، أخذاً في الاعتبار أن الكونغو الديمقراطية قد قامت في 17 نوفمبر بتمديد الحظر المفروض على تجارة المعادن الحيوية والنادرة من عشرات مواقع التعدين في شمال وجنوب كيفو لمدة 6 شهور، الأمر الذى يزيد من الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بمعادن أساسية في صناعة الإليكترونيات والسيارات والطيران.
يلاحظ في هذا السياق، أن حدة التنافس الجيوسياسي تجسد بقوة مع الإغلاق المؤقت لميناء دار السلام نتيجة للاضطرابات الداخلية في تنزانيا وظهور مخاوف من تأثيرات سلبية على منطقة حزام النحاس في وسط أفريقيا، خاصة أن ميناء دار السلام يمر به ثلثي صادرات النحاس المتجهة للصين التى تستهلك أكثر من نصف الانتاج العالمي للنحاس وتمثل الشركات الصينية 8 % من إجمالي انتاج التعدين بأفريقيا، وهنا يبرز أيضاً الاهتمام المتنامي من جانب القوي الدولية وفاعلين أخرين بالمشروعات اللوجيستية التى تمر بالمنطقة في مقدمتها ممر “لوبيتو” المدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ونظراً لأن الكونغو الديمقراطية وزامبيا أكبر منتجين للنحاس في أفريقيا وقعت الصين في 29 سبتمبر 2025 اتفاقية مع كل من زامبيا وتنزانيا لتحديث خط السكك الحديدية “تازارا”، والذى من المتوقع أن يكون منافساً لممر لوبيتو، الأمر الذى يعكس أهمية الإسراع في جهود السلام والوساطات الجادة لتحقيق الاستقرار المنشود وضبط اقتصاديات الشحن من وسط أفريقيا.

