من الذي أخطأ؟

7

كاتب ومحلل سياسي / حسن فليح 

الأحزاب العراقية بترشيح المالكي… أم أمريكا التي سيّدته وجعلته عرّاب العملية السياسية بعد 2003 ؟

لم يعد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء مجرّد موقف سياسي أو قراءة آنية للمشهد العراقي. ترامب يتحدث اليوم من موقع الرئاسة، لا من موقع الترشح، ما يجعل كلماته تعبيرا مباشرا عن تحول في القرار الأمريكي، لا عن مزاج عابر. وعليه، فإن الرسالة تتجاوز الشخص، لتصيب جوهر النظام السياسي الذي تأسس في العراق بعد 2003، وتضع ،”عرابه” التاريخي في موضع الرفض العلني.
القضية هنا لا تتعلق باسم، بل بمسؤولية.
مسؤولية من صنع، ومن رعى، ومن صمت، ثم من قرر أخيرا أن يكشف.
المالكي: نتاج هندسة أمريكية لا خيارا عراقيا خالصا
لا يمكن قراءة صعود نوري المالكي بمعزل عن السياق الدولي الذي أعقب الاحتلال الأمريكي للعراق. الرجل لم يكن إفرازا طبيعيًا لمسار سياسي داخلي، بل كان نتاج قرار أمريكي واضح، في لحظة احتاجت فيها واشنطن إلى شخصية تُمسك بالسلطة بقوة، وتدير نظاما هشا قائما على المحاصصة، ويُقدّم للعالم بوصفه “ديمقراطية ناشئة”. ولكن في حقيقة الامر نظام تدميري للعراق بشكل ممنهج .
وخلال سنوات حكمه، وفرت الولايات المتحدة الغطاء السياسي والأمني لنموذج حكم قاد إلى تفكيك الدولة، وإضعاف المؤسسات، وتكريس الانقسام، من دون مساءلة حقيقية. لم يكن ذلك خطأً تكتيكيا، بل خطأً استراتيجيا متكامل الأركان، أسس لانحراف عميق في مسار الدولة العراقية.

الأحزاب العراقية: شريكة الخطأ لا صانعة الأصل
في المقابل، فإن إعادة ترشيح المالكي اليوم تمثل ذروة الإفلاس السياسي للأحزاب العراقية. فهي لا تعبر عن ثقة، بل عن عجز، ولا عن قراءة واقعية، بل عن إنكار للتحولات. إن الإصرار على إعادة تدوير رموز المرحلة السابقة هو محاولة يائسة للحفاظ على منظومة امتيازات، لا مشروع دولة.
لكن، ورغم فداحة هذا الخطأ، تبقى الأحزاب شريكا في منظومة صُنعت خارج الحدود، لا مهندسها الأول. فالخطأ البنيوي بدأ يوم فُرض نموذج حكم لم ينبثق من الإرادة الوطنية، بل من حسابات القوة الدولية.

تصريح ترامب: لحظة كشف ومسؤولية لا مفر منها
الخطورة الحقيقية في تصريح ترامب لا تكمن في الرفض، بل في ما يستتبعه. فعندما يعلن رئيس الولايات المتحدة رفضه أحد أبرز رموز النظام الذي صنعته بلاده، فإن ذلك لا يُعدّ تصحيحا سياسيا فحسب، بل اعترافا ضمنيا بفشل النموذج.
وهنا، تنتقل الولايات المتحدة من موقع ء”الراعي” إلى موقع “المدان سياسيًا”، لأن من يصنع نظاما، ثم يقر بفشله، لا يملك حق الاكتفاء بالتنصل. بل الإصلاح يصبح التزاما، لا خيارا.

إصلاح الخطأ واجب أمريكي قبل أن يكون استحقاقا عراقيا
مع وجود ترامب في البيت الأبيض، انتهى عصر المهادنة الذي ميّز سياسات الإدارات الديمقراطية تجاه العراق وإيران معا. سقط خطاب إدارة التوازنات، وتبدد وهم الغموض البناء. ما يجري اليوم هو انتقال صريح إلى مرحلة المكاشفة، حيث تُسمى الأخطاء بأسمائها، وتُفتح ملفات ما بعد 2003 دون أقنعة.
لكن هذه المكاشفة تفرض استحقاقا لا يمكن القفز عليه .
إصلاح الخطأ الأمريكي في العراق لم يعد مسألة سياسية، بل واجبا أخلاقيا، وقانونيا، وإنسانيا، وتاريخيا. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة التي غيّرت النظام، ورعت المنظومة، وغضت الطرف عن انحرافاتها، مطالبة اليوم بالمساهمة في إعادة العراق إلى وضعه الطبيعي، دولة ذات سيادة، بمؤسسات حقيقية، ونظام سياسي غير خاضع للهيمنة الإيرانية ولا لمنطق الوكلاء.
حديث ترامب اليوم لا يفتح نقاشا، بل يُغلق مرحلة. إنه يحدد ملامح وجه العراق المقبل، عراق ما بعد إيران، وما بعد المحاصصة، وما بعد التسويات الرمادية. ومع هذا التحديد، يصبح التغيير حتميا، لا لأن الداخل وحده يطالب به، بل لأن الخطأ الذي استمر لعقدين بات مكشوفا، وإصلاحه لم يعد قابلا للتأجيل .

التعليقات معطلة.