من بغداد إلى “روجآفا”: صرخة دم لا يستكين.. الكورد الفيليون ووفاء الجرح الواحد

2

مقالات فيلي
ماجد سوره ميري
ليست التظاهرة التي شهدتها ساحة نصب “شهداء الكورد الفيليين”، الجمعة الماضية، في قلب بغداد مجرد تجمع عابر، بل هي استحضار لوعي تاريخي وألم مشترك يمتد عبر الجغرافيا الكوردية؛ حين خرج المئات من النخب والشباب والكسبة الفيليين وكورد الوسط والجنوب، لم يكن دافعهم العاطفة فحسب، بل كانت “ذاكرة الجرح” التي تأبى أن ترى مشاهد القتل والتهجير تتكرر بحق إخوتهم في “روجآفا”.
الحضور النسوي: حارسات الذاكرة والهوية
كان لافتا ومؤثرا ذلك الحضور النسوي الواسع في قلب التظاهرة؛ حيث تقدمت المرأة الكوردية الفيلية الصفوف، معبرة عن إرادة لا تلين. إن مشاركة النساء الفيليات لم تكن بروتوكولية، بل كانت تجسيدا لدور المرأة التي حملت عبء التهجير والفقد قديما، وتقف اليوم لتعلن تضامنها مع أمهات ونساء “روجآفا”. هذا الحضور أثبت أن الهوية الكوردية الأصيلة تتوارثها الأجيال، وأن المرأة الفيلية كانت وما زالت حارسة الهوية ومصنع الانتماء الذي يرفض الانسلاخ عن جذوره مهما بلغت التضحيات.
شباب الفيليين: من التضامن إلى الاستعداد للتضحية
ولم يكتفِ المشاركون بالشعارات، بل تجلت الروح القومية في أبهى صورها من خلال الاستعداد العالي الذي أبداه الشباب الكورد الفيليون للذهاب إلى “روجآفا” ونصرة أبناء جلدتهم ميدانيا. إن هذا الاندفاع الشبابي يبعث برسالة واضحة لكل من راهن على عزل الكورد الفيليين عن قضيتهم الأم؛ مفادها أن هؤلاء الشباب الذين ولدوا وعاشوا في وسط وجنوب العراق، لا تزال بوصلتهم القومية تشير نحو الحق الكوردي أينما كان، وهم مستعدون لتقديم الغالي والنفيس لكسر الحصار عن إخوتهم.
ذاكرة لا تنسى.. من المقابر الجماعية إلى حصار “روجآفا”
إن رمزية المكان -نصب الشهيد الفيلي- تعطي لهذه الوقفة أبعادا عميقة، فالكورد الفيليون هم أكثر من يدرك معنى “الإبادة الجماعية”، وكأن لسان حالهم يقول اليوم: “لقد خبرنا هذا الظلم من قبل، ولن نصمت على تكراره”. إن الجرائم التي يتعرض لها الكورد في سوريا اليوم، تعيد إلى الأذهان تلك الأيام السوداء التي قضاها شبابنا في غياهب سجون البعث، حيث استُخدموا كحقول تجارب للأسلحة الكيميائية.
الانتماء الذي لا يمحوه الزمن
لقد أثبت الحاضرون في ساحة الشهيد الفيلي، عبر تنوعهم واندفاعهم، أن محاولات طمس هويتهم أو عزلهم عن محيطهم القومي قد فشلت تماما. تظاهرة بغداد كانت جسرا معنويا يمتد من ضفاف دجلة إلى سهول “روجآفا”، معلنة أن الكورد الفيليين، رغم مرارة ما عانوه، لا يزالون الرقم الصعب في معادلة الوفاء القومي، والظهير السند لإخوتهم في الشدة قبل الرخاء.
إنها صرخة “روجآفا ليست وحدها”، يطلقها من بغداد من ذاقوا الويلات، لتصل إلى مسامع العالم أجمع.

التعليقات معطلة.