من يطفئ جذوة الحرب المشتعلة؟

5

 

د. موضي عبدالعزيز الحمود

‏لم تهدأ هذه المنطقة، التي كانت منذ الأزل مهداً للحضارات، وموطناً للأنبياء والرسل والديانات، ومصدراً ثرياً للخيرات والثروات في باطن أراضيها وأعماق بحارها، نزاعات وصراعات بين دولها تارةً، وبينها وبين قوى خارجية استعمارية ظالمة أو توسعية طامعة، وذلك طوال قرن من الزمن أو يزيد، ولم تنتهِ تلك الأطماع أو تهدأ رياح الصراع حتى يومنا هذا.

أسباب ومسببات كثيرة تجعل منطقتنا العربية، ودول الخليج خاصة، ضحية واقعة بين «جنون الأيديولوجيا وجنون التاريخ»*.

هذا ما نشهده الآن ومنذ أن اشتعل اعتداء إسرائيل الآثم على غزة بذريعة محاربة الإرهاب، ليتمادى رئيس وزرائها بأيديولوجيته الصهيونية في إبادة أهلها لتحقيق حلمه بإسرائيل الكبرى، تسانده أمريكا الحليف الأكبر لإسرائيل، وليمتد هذا الصراع لاحقاً بين الحليفين وبين إيران القوة الإقليمية المنافسة، والتي يحدوها «إرثها التاريخي» بإحياء الامبراطورية الفارسية العظمى، صراع امتدت آثاره العسكرية المدمرة إلى دول الخليج المستقرة، لتصحو على عدوان آثم من جارتها إيران بضرب بناها التحتية وترويع شعوبها الآمنة.

وفي الكويت لم يكن حالنا استثناءً عن أشقائنا في الخليج، بل إن هذا الاعتداء أتى ليكمل سلسلة من الأزمات والاعتداءات، التي شهدها من هم في جيلنا طوال خمسة عقود متتالية، منذ حملة الادعاءات الباطلة لرئيس العراق السابق عبدالكريم قاسم في بداية الستينيات، ثم ما طالنا من آثار الحرب العراقية الإيرانية، تلاها الغزو الصدامي الغاشم، وحرب الخليج الثانية. وها نحن اليوم وأبناؤنا وأحفادنا نعيش أزمة جور التعدي من جار مسلم وحلفائه على أراضينا ومنشآتنا بمسيرات وصواريخ يطلقها من داخل إيران، أو من قبل حليفه الحشد الشعبي في العراق، أو ربما بعضها من المنطقة، ممّن أعماهم التعصب وسيَّرتهم النزعة الفارسية الظالمة.

‏هو قدرنا في الكويت، التي لم تكن طرفاً في هذا النزاع أو ذاك، ومع عناية رب العالمين وقدرة قياداتها المتعاقبة على امتلاك ضبط النفس والحكمة في سلوكها السياسي، والبسالة في قدرات جيشها وصقورها، وتماسك شعبها، الذي هو طوق النجاة والحصن المنيع لسلامتها، تخطت تلك الأزمات بسلام، وهذا ما نراه حاضراً في كل أزمة، وهو ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، لنبذ الأصوات الشاذة التي تدق إسفين التفرقة في نسيج المجتمع الكويتي، الذي يتكون منذ الأزل، ولا يزال، من تناغم وتعاون بين أطياف عدة من المواطنين، ممن اختلفوا في المنشأ والمعتقد والملة، وتآلفوا في حب الوطن والذود عنه، تشاركهم جموع بشرية توافدت للعيش الكريم في ربوعه، والمساهمة بشرف في بنائه ونهضته، هذه هي الكويت، وهذا هو نهج وسلوك أشقائها في دول الخليج الساعين إلى تهدئة الأوضاع، والمشاركة في المشاورات والاجتماعات الرباعية في باكستان، وفي دعم المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين أطراف النزاع، لحماية أوطانهم بكل السبل والوسائل، وانقاذ المنطقة ككل والعالم من أزمات لا يعرف نتائجها إلا الله.

حفظ الله أوطاننا، وجمع كلمة قادتنا، وأعان حماة ثغورنا، ورحم شهداءنا. ولعل الله يهيئ ويوفق الجهود المبذولة في المشاورات والمساعي الهادفة إلى إطفاء جذوة الحرب، وإنقاذنا من نتائجها الوخيمة، ويجازي من أشعلها.. والله الموفق.

* الكاتب اللبناني نبيه البرجي

 

التعليقات معطلة.