هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

3




عبد اللطيف المناوي – المصري اليوم

 

سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه في الواقع يعكس واحدة من أعقد معادلات الردع وإدارة الصراع في النظام الدولي اليوم. فالمشهد الراهن لا يمكن اختزاله في ثنائية الحرب أو السلام، بقدر ما يجب قراءته بوصفه صراعاً على التوقيت، وعلى كلفة القرار، وعلى من يتحمّل عبء الخطوة الأولى إذا انكسرت قواعد اللعبة.

في الظاهر، كل عناصر الضربة موجودة: برنامج نووي إيراني يقترب تقنياً من العتبة العسكرية، حشد أمريكي غير عابر في الإقليم، وضغط إسرائيلي متواصل يرى أن الزمن يعمل لمصلحة طهران لا ضدها.

هذه العناصر مجتمعة تجعل خيار الضرب حاضراً على الطاولة، لا كاحتمال نظري بل كخيار مُحضَّر له عسكرياً، ينتظر فقط الغطاء السياسي، فالولايات المتحدة لا تحشد عادة بهذا الحجم لمجرد الاستعراض، بل لتقول إن الخيار العسكري ممكن وسريع إذا تقرر اللجوء إليه.

لكن في العمق، تميل الكفة حتى الآن إلى عدم الضرب.

السبب الأول أن مسار التفاوض، مهما بدا بطيئاً أو هشاً، ما زال قائماً. في الحساب الأمريكي، وجود قناة سياسية مفتوحة، حتى دون نتائج ملموسة، أقل كلفة بكثير من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية قد تتدحرج خارج السيطرة.

الضربة هنا ليست قراراً تقنياً بل مقامرة استراتيجية، لأن الرد الإيراني، كما تُدرك واشنطن جيداً، لن يكون رمزياً أو محصوراً. الحديث يدور عن قواعد أمريكية في المنطقة، عن أمن الملاحة وعن شبكات حلفاء ووكلاء قادرين على فتح جبهات متزامنة. أي ضربة “محدودة” قد تتحول سريعاً إلى مواجهة إقليمية واسعة، حتى لو لم تكن تلك نية الطرفين.

يزيد من تردد واشنطن إدراكها أن الضربة قد لا تحقق الهدف النهائي. فالتقدير السائد داخل دوائر القرار أن الهجوم، مهما كان دقيقاً، قد يؤخر البرنامج النووي الإيراني لكنه لن يقضي عليه. بل إن النتيجة العكسية واردة: دفع طهران إلى تسريع التسلّح النووي، والتخلّي نهائياً عن سياسة الغموض التي ما زالت تشكل، عنصر ضبط نسبي للأزمة. بهذا المعنى، تصبح الضربة عملاً عالي الكلفة ومحدود الجدوى، وهو أسوأ سيناريو ممكن في الحساب الاستراتيجي الأمريكي.

في المقابل، لا يمكن استبعاد الضربة بالكامل. ميزان الاحتمالات يتغير بسرعة إذا انهار مسار التفاوض، أو إذا وقع حادث كبير يعيد تعريف الخطوط الحمراء، سواء عبر استهداف مباشر لمصالح أمريكية أو عبر كشف نوعي في الملف النووي يُعتبر تجاوزاً لا يمكن احتواؤه سياسياً. في هذه الحالة، قد تجد واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: الضرب مع كل مخاطره، أو القبول بإيران على عتبة نووية، وهو خيار لا يبدو مقبولاً داخلياً ولا لدى حلفائها.

المشهد الحالي ليس مشهد حرب وشيكة بقدر ما هو مشهد إدارة توتر محسوب. الولايات المتحدة لا تريد الحرب، لكنها لا تُغلق بابها. وإيران بدورها ترفع مستوى الضغط دون أن تقفز إلى نقطة اللاعودة.

نحن أمام مباراة أعصاب طويلة، غير أن هذا النوع من التوازنات الهشة يظل قابلاً للانكسار في أي لحظة.

التعليقات معطلة.